مِنْهُمْ،وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ.إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا.قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا.فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا،وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..
روى ابن إسحاق في سبب نزول هذه الآيات أنه لما كان تجمع قريش والأحزاب في غزوة الخندق.فلما سمع بهم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة.فعمل فيه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ترغيبا للمسلمين في الأجر،وعمل معه المسلمون فيه،فدأب ودأبوا،وأبطأ عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين،وجعلوا يورّون بالضعيف من العمل،ويتسللون إلى أهليهم بغير علم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولا إذنه وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويستأذنه في اللحوق بحاجته،فيأذن له.فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله،رغبة في الخير واحتسابا له.فأنزل اللّه تعالى في أولئك المؤمنين: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ...الآية» ثم قال تعالى:يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل،ويذهبون بغير إذن من النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ ...الآية» [1] ..
وأيا ما كان سبب نزول هذه الآيات فهي تتضمن الآداب النفسية التنظيمية بين الجماعة وقائدها.هذه الآداب التي لا يستقيم أمر الجماعة إلا حين تنبع من مشاعرها وعواطفها وأعماق ضميرها.ثم تستقر في حياتها فتصبح تقليدا متبعا وقانونا نافذا.وإلا فهي الفوضى التي لا حدود لها: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» ..لا الذين يقولون بأفواههم ثم لا يحققون مدلول قولهم،ولا يطيعون اللّه ورسوله. « وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ» ..والأمر الجامع الأمر الهام الذي
(1) -عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا يُرِيدُ يَصَيِحُ مِنْ بَعِيدٍ:يَا أَبَا الْقَاسِمِ،وَلَكِنْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحُجُرَاتِ:إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ"وَمِنْ فَضَائِلِهِ - صلى الله عليه وسلم -:أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَصَّلَ مُخَاطَبَةَ الْمُتَقَدِّمِينَ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَشْرِيفًا لَهُ،وَإِجْلَالًا،وَذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْأُمَمِ كَانُوا يَقُولُونَ لِأَنْبِيَائِهِمْ وَرُسُلِهِمْ:رَاعِنَا سَمْعَكَ،فَنَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَنْ يُخَاطِبُوا رَسُولَهُمْ بِهَذِهِ الْمُخَاطَبَةِ الَّتِي فِيهَا مَغْمَزٌ وَضَعَةٌ،وَذَمَّهُمْ أَنْ يَسْلُكُوا بِنَبِيِّهِمْ ذَلِكَ الْمَسْلَكِ،فَقَالَ:يَا أَيُّهَا الَّذِينُ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا"دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ (5 ) حسن"
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ:"مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي يَا أُبَيُّ ؟"فَقَالَ:كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ:"أَلَمْ يَقُلِ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال:24] لَا تَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُعَلِّمَكَ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ، وَالزَّبُورِ، مَثْلَهَا"قَالَ أُبَيٌّ:ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى يَدَيَّ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَقْصَى الْمَسْجِدِ، قُلْتُ:يَا نَبِيَّ اللهِ، قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ:"نَعَمْ هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ، وَالزَّبُورِ مَثْلَهَا، وَإِنَّهَا السَّبْعُ الطِّوَالُ الَّتِي أُوتِيتُ، وَإِنَّهَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ"
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى.
قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:"وَقِيلَ مَعْنَى هذه الْآيَةِ: { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } [النور:63] ، ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانُوا يُنَادُونَهُ عَلَى رَسْمِ الْمَلَإِ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُونَ لَهُ:يَا مُحَمَّدُ، يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرُوا أَنْ يُعَظَّمُوهُ فَيَقُولُوا:يَا رَسُولَ اللهِ، يَا نَبِيَّ اللهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ إِجْلَالٌ وَتَعْظِيمٌ"شعب الإيمان [3 /96] (1427 ) صحيح