«أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ؟» .بعد هذا النفي والتقرير،فهو إذن من صنع محمد.ومحمد بشر ينطق باللغة التي ينطقون بها،ولا يملك من حروفها إلا ما يملكون. (ألف.لام.ميم) .. (ألف.لام.را.) .. (ألف.لام.ميم.صاد) ...إلخ.فدونهم إذن - ومعهم من يستطيعون جمعهم - فليفتروا،كما افترى (بزعمهم) محمد.فليفتروا سورة واحدة لا قرآنا كاملا: «قُلْ:فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ،وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .
وقد ثبت هذا التحدي وثبت العجز عنه.وما يزال ثابتا ولن يزال.والذين يدركون بلاغة هذه اللغة،ويتذوقون الجمال الفني والتناسق فيها،يدركون أن هذا النسق من القول لا يستطيعه إنسان.وكذلك الذين يدرسون النظم الاجتماعية ،والأصول التشريعية،ويدرسون النظام الذي جاء به هذا القرآن،يدركون أن النظرة فيه إلى تنظيم الجماعة الإنسانية ومقتضيات حياتها من جميع جوانبها،والفرص المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات في يسر ومرونة ..كل أولئك أكبر من أن يحيط به عقل بشري واحد،أو مجموعة العقول في جيل واحد او في جميع الأجيال.ومثلهم الذين يدرسون النفس الإنسانية ووسائل الأصول إلى التأثير فيها وتوجيهها ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه ..
فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده،ولكنه الاعجاز المطلق الذي يلمسه الخبراء في هذا وفي النظم والتشريعات والنفسيات وما إليها ..
والذين زاولوا فن التعبير،والذين لهم بصر بالأداء الفني،يدركون أكثر من غيرهم مدى ما في الأداء
القرآني من إعجاز في هذا الجانب.والذين زاولوا التفكير الاجتماعي والقانوني والنفسي،والإنساني بصفة عامة،يدركون أكثر من غيرهم مدى الإعجاز الموضوعي في هذا الكتاب أيضا.
ومع تقدير العجز سلفا عن بيان حقيقة هذا الإعجاز ومداه والعجز عن تصويره بالأسلوب البشري.
ومع تقدير أن الحديث المفصل عن هذا الإعجاز - في حدود الطاقة البشرية - هو موضوع كتاب مستقل.
فسأحاول هنا أن ألم إلمامة خاطفة بشيء من هذا ..
إن الأداء القرآني يمتاز ويتميز من الأداء البشري ..إن له سلطانا عجيبا على القلوب ليس للأداء البشري حتى ليبلغ أحيانا أن يؤثر بتلاوته المجردة على الذين لا يعرفون من العربية حرفا ..وهناك حوادث عجيبة لا يمكن تفسيرها بغير هذا الذي نقول - وإن لم تكن هي القاعدة - ولكن وقوعها يحتاج إلى تفسير وتعليل ..
ولن أذكر نماذج مما وقع لغيري ولكني أذكر حادثا وقع لي وكان عليه معي شهود ستة،وذلك منذ حوالي خمسة عشر عاما ..كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك من بين عشرين ومائة راكب وراكبة أجانب ليس فيهم مسلم