ومن هذه الجولة الكبيرة العميقة الأثر بمشاهدها ولمساتها الكثيرة،يعود السياق بهم إلى لمحات من هذا الكون الذي يعيشون فيه حياتهم،وهم غافلون عما تشي به هذه اللمحات من التدبير والتقدير،الذي يشملهم كذلك،ويقدّر بإحكام ما يتوارد عليهم من أحوال: «فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ،وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ،وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ..لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ» ..وهذه اللمحات الكونية التي يلوح بالقسم بها،لتوجيه القلب البشري إليها،وتلقي إيحاءاتها وإيقاعاتها ..
لمحات ذات طابع خاص.طابع يجمع بين الخشوع الساكن،والجلال المرهوب.وهي تتفق في ظلالها مع ظلال مطلع السورة ومشاهدها بصفة عامة.
فالشفق هو الوقت الخاشع المرهوب بعد الغروب ..وبعد الغروب تأخذ النفس روعة ساكنة عميقة.ويحس القلب بمعنى الوداع وما فيه من أسى صامت وشجى عميق.كما يحس برهبة الليل القادم،ووحشة الظلام الزاحف.ويلفه في النهاية خشوع وخوف خفي وسكون! «وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ» ..هو الليل وما جمع وما حمل ..بهذا التعميم،وبهذا التجهيل،وبهذا التهويل.
والليل يجمع ويضم ويحمل الكثير ..ويذهب التأمل بعيدا،وهو يتقصى ما يجمعه الليل ويضمه ويحمله من أشياء وأحياء وأحداث ومشاعر،وعوالم خافية ومضمرة،ساربة في الأرض وغائرة في الضمير ..ثم يؤوب من هذه الرحلة المديدة،ولم يبلغ من الصور ما يحتويه النص القرآني القصير: «وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ» ..إنما يغمره من النص العميق العجيب،رهبة ووجل،وخشوع وسكون تتسق مع الشفق وما يضفيه من خشوع وخوف وسكون!
«وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ» ..مشهد كذلك هادئ رائع ساحر ..وهو القمر في ليالي اكتماله ..وهو يفيض على الأرض بنوره الحالم الخاشع الموحي بالصمت الجليل،والسياحة المديدة،في العوالم الظاهرة والمكنونة في الشعور ..وهو جو له صلة خفية بجو الشفق،والليل وما وسق.يلتقي معهما في الجلال والخشوع والسكون ..
هذه اللمحات الكونية الجميلة الجليلة الرائعة المرهوبة الموحية يلتقطها القرآن لقطات سريعة،ويخاطب بها القلب البشري،الذي يغفل عن خطابها الكوني.ويلوح بالقسم بها ليبرزها للمشاعر والضمائر،في حيويتها،وجمالها وإيحائها وإيقاعها،ودلالتها على اليد التي تمسك بأقدار هذا الكون.وترسم خطواته،وتبدل أحواله ..وأحوال الناس أيضا وهم غافلون:
«لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ» ..أي لتعانون حالا بعد حال،وفق ما هو مرسوم لكم من تقديرات وأحوال.
ويعبر عن معاناة الأحوال المتعاقبة بركوبها.والتعبير بركوب الأمور والأخطار والأهوال والأحوال مألوف في التعبير العربي،كقولهم: «إن المضطر يركب الصعب من الأمور وهو عالم بركوبه» ..وكأن هذه الأحوال مطايا يركبها الناس واحدة بعد واحدة.وكل منها تمضي بهم وفق مشيئة القدر الذي يقودها ويقودهم في الطريق،فتنتهي بهم عند غاية تؤدي إلى رأس مرحلة جديدة،مقدرة كذلك