فهرس الكتاب

الصفحة 4907 من 4997

تقدمت يده عليهم في ضعفهم وعجزهم،كما يطامنون من اغترارهم بقوتهم اليوم في مواجهة محمد - صلى الله عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه.فقد حطم اللّه الأقوياء حينما شاءوا الاعتداء على بيته وحرمته فلعله يحطم الأقوياء الذين يقفون لرسوله ودعوته.

فأما كيف جعل كيدهم في تضليل فقد بينه في صورة وصفية رائعة: «وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ،تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ.فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ» ..والأبابيل:الجماعات.وسجيل كلمة فارسية مركبة من كلمتين تفيدان:حجر وطين.أو حجارة ملوثة بالطين.والعصف:الجاف من ورق الشجر.ووصفه بأنه مأكول:أي فتيت طحين! حين تأكله الحشرات وتمزقه،أو حين يأكله الحيوان فيمضغه ويطحنه! وهي صورة حسية للتمزيق البدني بفعل هذه الأحجار التي رمتهم بها جماعات الطير.ولا ضرورة لتأويلها بأنها تصوير لحال هلاكهم بمرض الجدري أو الحصبة.

فأما دلالة هذا الحادث والعبر المستفادة من التذكير به فكثيرة ..

وأول ما توحي به أن اللّه - سبحانه - لم يرد أن يكل حماية بيته إلى المشركين،ولو أنهم كانوا يعتزون بهذا البيت،ويحمونه ويحتمون به.فلما أراد أن يصونه ويحرسه ويعلن حمايته له وغيرته عليه ترك المشركين يهزمون أمام القوة المعتدية.وتدخلت القدرة سافرة لتدفع عن بيت اللّه الحرام،حتى لا تتكون للمشركين يد على بيته ولا سابقة في حمايته،بحميتهم الجاهلية.ولعل هذه الملابسة ترجح ترجيحا قويا أن الأمر جرى في إهلاك المعتدين مجرى السنة الخارقة - لا السنة المألوفة المعهودة - فهذا أنسب وأقرب ..

ولقد كان من مقتضى هذا التدخل السافر من القدرة الإلهية لحماية البيت الحرام أن تبادر قريش ويبادر العرب إلى الدخول في دين اللّه حينما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وألا يكون اعتزازهم بالبيت وسدانته وما صاغوا حوله من وثنية هو المانع لهم من الإسلام! وهذا التذكير بالحادث على هذا النحو هو طرف من الحملة عليهم،والتعجيب من موقفهم العنيد! كذلك توحي دلالة هذا الحادث بأن اللّه لم يقدّر لأهل الكتاب - أبرهة وجنوده - أن يحطموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدسة.حتى والشرك يدنسه،والمشركون هم سدنته.ليبقي هذا البيت عتيقا من سلطان المتسلطين،مصونا من كيد الكائدين.وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبت فيها العقيدة الجديدة حرة طليقة،لا يهيمن عليها سلطان،ولا يطغى فيها طاغية،ولا يهيمن على هذا الدين الذي جاء ليهيمن على الأديان وعلى العباد،ويقود البشرية ولا يقاد.وكان هذا من تدبير اللّه لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن نبي هذا الدين قد ولد في هذا العام!

ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن،إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة ترف حول الأماكن المقدسة من الصليبية العالمية والصهيونية العالمية،ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت