فهرس الكتاب

الصفحة 4908 من 4997

الأطماع الفاجرة الماكرة.فاللّه الذي حمى بيته من أهل الكتاب وسدنته مشركون،سيحفظه إن شاء اللّه،ويحفظ مدينة رسوله من كيد الكائدين ومكر الماكرين!

والإيحاء الثالث هو أن العرب لم يكن لهم دور في الأرض.بل لم يكن لهم كيان.قبل الإسلام.كانوا في اليمن تحت حكم الفرس أو الحبشة.وكانت دولتهم حين تقوم هناك أحيانا تقوم تحت حماية الفرس.وفي الشمال كانت الشام تحت حكم الروم إما مباشرة وإما بقيام حكومة عربية تحت حماية الرومان ..ولم ينج إلا قلب الجزيرة من تحكم الأجانب فيه.

ولكنه ظل في حالة بداوة أو في حالة تفكك لا تجعل منه قوة حقيقية في ميدان القوى العالمية.وكان يمكن أن تقوم الحروب بين القبائل أربعين سنة،ولكن لم تكن هذه القبائل متفرقة ولا مجتمعة ذات وزن عند الدول القوية المجاورة.وما حدث في عام الفيل كان مقياسا لحقيقة هذه القوة حين تتعرض لغزو أجنبي.

وتحت راية الإسلام ولأول مرة في تاريخ العرب أصبح لهم دور عالمي يؤدونه.وأصبحت لهم قوة دولية يحسب لها حساب.قوة جارفة تكتسح الممالك وتحطم العروش،وتتولى قيادة البشرية،بعد أن تزيح القيادات الجاهلية المزيفة الضالة ..ولكن الذي هيأ للعرب هذا لأول مرة في تاريخهم هو أنهم نسوا أنهم عرب! نسوا نعرة الجنس،وعصبية العنصر،وذكروا أنهم مسلمون.ومسلمون فقط.ورفعوا راية الإسلام،وراية الإسلام وحدها.وحملوا عقيدة ضخمة قوية يهدونها إلى البشرية رحمة وبرا بالبشرية ولم يحملوا قومية ولا عنصرية ولا عصبية.حملوا فكرة سماوية يعلمون الناس بها لا مذهبا أرضيا يخضعون الناس لسلطانه.وخرجوا من أرضهم جهادا في سبيل اللّه وحده،ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها،ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها،ويخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب وإلى حكمهم أنفسهم! إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعا إلى عبادة اللّه وحده،كما قال ربعي بن عامر،وحذيفة بن محصن،والمغيرة بن شعبة،جميعا لرستم قائد جيش الفرس في القادسية،وهو يسألهم واحدا بعد واحد في ثلاثة أيام متوالية،قبل المعركة:ما الذي جاء بكم؟ فيكون الجواب:اللّه ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده.ومن ضيق الدنيا إلى سعتها.ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ..فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه،فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه،وتركناه وأرضه.ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر». [1] .

عندئذ فقط كان للعرب وجود،وكانت لهم قوة،وكانت لهم قيادة ..ولكنها كانت كلها للّه وفي سبيل اللّه.وقد ظلت لهم قوتهم.وظلت لهم قيادتهم ما استقاموا على الطريقة.حتى إذا انحرفوا عنها وذكروا عنصريتم وعصبيتهم،وتركوا راية اللّه ليرفعوا راية العصبية نبذتهم الأرض وداستهم الأمم،لأن

(1) - البداية والنهاية لابن كثير محقق - موافق للمطبوع - (7 / 46)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت