فهرس الكتاب

الصفحة 4120 من 4997

هم في ميزان اللّه واعتباره،الكافرون حقا،الذين يستحقون هذا الوصف الكريه: «هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» ..يسجله عليهم كأنهم متفردون به،عريقون في النسبة إليه،فهم أكره شيء إلى اللّه الذي يكره الكفر والكافرين! كذلك يسجل عليهم فعلهم الكريه الآخر،وهو صدهم للمؤمنين عن المسجد الحرام،وصد الهدي وتركه محبوسا عن الوصول إلى محل ذبحه المشروع: «وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ» ..وهي كبيرة في الجاهلية وفي الإسلام.كبيرة في الأديان كلها التي يعرفونها في الجزيرة من لدن أبيهم إبراهيم.

كريهة في عرفهم وفي عقيدتهم وفي عقيدة المؤمنين ..فلم يكن إذن كف اللّه للمؤمنين عنهم بقيا عليهم لأن جرمهم صغير.كلا! إنما كان ذلك لحكمة أخرى يتلطف اللّه سبحانه فيكشف عنها للمؤمنين: «وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ،أَنْ تَطَؤُهُمْ،فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ» ..فلقد كان هنالك بعض المستضعفين من المسلمين في مكة لم يهاجروا،ولم يعلنوا إسلامهم تقية في وسط المشركين.ولو دارت الحرب،وهاجم المسلمون مكة،وهم لا يعرفون أشخاصهم،فربما وطأوهم وداسوهم وقتلوهم.فيقال:إن المسلمين يقتلون المسلمين! ويلزمون بدياتهم حين يتبين أنهم قتلوا خطأ وهم مسلمون ..

ثم هنالك حكمة أخرى وهي أن اللّه يعلم أن من بين الكافرين الذين صدوهم عن المسجد الحرام،من قسمت له الهداية،ومن قدر له اللّه الدخول في رحمته،بما يعلمه من طبيعته وحقيقته ولو تميز هؤلاء وهؤلاء لأذن اللّه للمسلمين في القتال،ولعذب الكافرين العذاب الأليم: «لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ.لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا» ..وهكذا يكشف اللّه للجماعة المختارة الفريدة السعيدة عن جانب من حكمته المغيبة وراء تقديره وتدبيره.

ويمضي في وصف الذين كفروا.وصف نفوسهم من الداخل.بعد تسجيل صفتهم وعملهم الظاهر:

«إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ» ..حمية لا لعقيدة ولا لمنهج.إنما هي حمية الكبر والفخر والبطر والتعنت.الحمية التي جعلتهم يقفون في وجه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ومن معه،يمنعونهم من المسجد الحرام،ويحبسون الهدي الذي ساقوه،أن يبلغ محله الذي ينحر فيه.مخالفين بذلك عن كل عرف وعن كل عقيدة.كي لا تقول العرب،إنه دخلها عليهم عنوة.ففي سبيل هذه النعرة الجاهلية يرتكبون هذه الكبيرة الكريهة في كل عرف ودين وينتهكون حرمة البيت الحرام الذي يعيشون على حساب قداسته وينتهكون حرمة الأشهر الحرم التي لم تنتهك في جاهلية ولا إسلام! وهي الحمية التي بدت في تجبيههم لكل من أشار عليهم - أول الأمر - بخطة مسالمة،وعاب عليهم صدّ محمد ومن معه عن بيت اللّه الحرام.وهي كذلك التي تبدت في رد سهيل بن عمرو لاسم الرحمن الرحيم،ولصفة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في أثناء الكتابة.وهي كلها تنبع من تلك الجاهلية المتعجرفة المتعنتة بغير حق.وقد جعل اللّه الحمية في نفوسهم على هذا النحو الجاهلي،لما يعلمه في نفوسهم من جفوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت