فهرس الكتاب

الصفحة 1612 من 4997

فيجب أن تتجه المحاولة إذن إلى ذلك القلب لعلاجه من آفاته ومن معوقاته ..

والحقيقة الثانية:هي أن مشيئة اللّه هي المرجع الأخير في أمر الهدى والضلال. فقد اقتضت هذه المشيئة أن تبتلي البشر بقدر من حرية الاختيار والتوجه في الابتداء وجعل هذا القدر موضع ابتلاء للبشر وامتحان. فمن استخدمه في الاتجاه القلبي إلى الهدى والتطلع إليه والرغبة فيه - وإن كان لا يعلم حينئذ أين هو - فقد اقتضت مشيئة اللّه أن يأخذه بيده ويعينه ويهديه إلى سبيله. ومن استخدمه في الرغبة عن الهدى والصدود عن دلائله وموحياته،فقد اقتضت مشيئة اللّه أن يضله وأن يبعده عن الطريق وأن يدعه يتخبط في الظلمات .. وإرادة اللّه وقدره محيطان بالبشر في كل حالة،ومرد الأمر كله إليه في النهاية.

وهذه الحقيقة يشير إليها السياق في قوله تعالى: «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ - كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ - وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» .وفي قوله: «وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى،وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا،ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا - إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ - وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ» ..

كما يشير إليها في آية سابقة على هذه الفقرة في سياق السورة قوله تعالى: «اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا. وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا،وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» ..

كما تتكرر الإشارة إليها في الآية التالية لهذه الفقرة. «وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا - وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ - فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ...» ..

فالأمر كله مرهون بمشيئة اللّه،هو الذي شاء ألا يهديهم لأنهم لم يأخذوا بأسلوب الهدى،وهو الذي شاء أن يدع لهم هذا القدر من الاختيار على سبيل الابتلاء وهو الذي يهديهم إذا جاهدوا للهدى وهو الذي يضلهم إذا اختاروا الضلال .. بلا تعارض - في التصور الإسلامي - بين طلاقة المشيئة الإلهية وهذا المجال الذي ترك للبشر لابتلائهم فيه بهذا القدر من الاختيار [1] .

والحقيقة الثالثة:هي أن الطائعين والعصاة في قبضة اللّه سواء،وتحت قهره وسلطانه سواء. فهم لا يملكون جميعا أن يحدثوا شيئا إلا بقدر اللّه وفق مشيئته التي جرت بتلك السنن في تصريف أمر العباد .. ولكن المؤمنين يطابقون - في القدر المتروك لهم للاختيار - بين الخضوع القهري المفروض عليهم لسلطان اللّه في ذوات أنفسهم وفي حركة خلاياهم وفي طبائع تكوينهم العضوي النفسي وبين الخضوع الاختياري الذي يلتزمونه بأنفسهم بناء على المعرفة والهدى والاختيار. وبذلك يعيشون في

(1) - يراجع فصل: «التوازن» في كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» القسم الأول. «دار الشروق»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت