فهرس الكتاب

الصفحة 1613 من 4997

سلام مع أنفسهم ذاتها،لأن الجانب القهري فيها والجانب الاختياري يتبعان ناموسا واحدا وسلطانا واحدا وحكومة واحدة! فأما الآخرون فهم مقهورون على اتباع ناموس اللّه الفطري الذي يقهرهم ولا يملكون أن يخرجوا منه في تكوينهم الجسمي وحاجاتهم الفطرية،بينما في الجانب الذي ترك لهم الاختيار فيه هم ناشزون على سلطان اللّه الممثل في منهجه وشرعه. أشقياء بهذا الفصام في شخصيتهم! وهم بعد هذا كله في قبضة اللّه لا يعجزونه في شيء،ولا يحدثون شيئا إلا بقدره! وهذه الحقيقة الثالثة ذات أهمية خاصة في القضايا التي يعرضها الشطر الباقي من السورة. فهي تتكرر في مواضع متعددة في صور متنوعة،ذلك أن هذا الشطر كله - كما بينا من قبل - يواجه قضية الألوهية وسلطانها في حياة البشر وشريعتهم التي يعيشون بها .. ومن ثم يتكئ السياق على تقرير أن السلطان كله للّه. حتى في كيان العصاة الناشزين عن منهج اللّه وشرعه،وأنهم لا يؤذون أولياء اللّه إلا بما شاء اللّه. فهم أعجز من أن يكون لهم في ذواتهم سلطان،فكيف يكون لهم على المؤمنين سلطان! إنما هي مشيئة اللّه يكون بها ما يشاء في الطائعين والعصاة سواء.

قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ،وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى،وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا،ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا - إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ - وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ» ..

(يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - يا محمد آيس من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام،القائلين لك: «لئن جئتنا بآية لنؤمنن لك» فإننا لو نزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عيانا وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم حجة لك،ودلالة على نبوتك،وأخبروهم أنك محق فيما تقول،وأن ما جئتهم به حق من عند اللّه وحشرنا عليهم كل شيء فجعلناهم لك قبلا [1] . ما آمنوا ولا صدقوك ولا اتبعوك - إلا أن يشاء اللّه ذلك لمن شاء منهم - «وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ» .. يقول:ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن ذلك كذلك. يحسبون أن الإيمان إليهم،والكفر بأيديهم،متى شاءوا آمنوا،ومتى شاءوا كفروا.

وليس ذلك كذلك،ذلك بيدي. لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته،ولا يكفر إلا من خذلته عن الرشد فأضللته).

وهذا الأصل الذي يقرره ابن جرير هنا هو الصحيح. ولكنه يحتاج إلى زيادة الإيضاح - التي أسلفناها - باستلهام مجموعة النصوص القرآنية عن الهدى والضلالة ومشيئة اللّه وجهد الإنسان .. إن الإيمان حدث والضلال حدث. وما يقع في هذا الوجود حدث إلا بقدر من اللّه ينشئه: « إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» . فأما السنة التي يجري على أساسها ذلك القدر بوقوع إيمان فلان وضلال فلان،فهي

(1) - يعنى مواجهة. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت