فهرس الكتاب
إنما كان تأثيره عالميا ومطردا منذ أن جاء إلى العالمين.والذين يتتبعون التاريخ البشري بإنصاف ودقة ويتتبعونه في معناه الإنساني العام،الشامل لجميع أوجه النشاط الإنساني،يدركون هذه الحقيقة،ويطمئنون إليها.وكثيرون منهم قد سجلوا هذا واعترفوا به في وضوح.
«كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» ..والتفصيل المحكم،وفق الأغراض والأهداف،ووفق أنواع الطبائع والعقول،ووفق البيئات والعصور،ووفق الحالات النفسية وحاجاتها المتنوعة ..التفصيل المحكم وفق هذه الاعتبارات سمة واضحة في هذا الكتاب.
وقد فصلت هذه الآيات وفق تلك الاعتبارات.فصلت قرآنا عربيا «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» ..لديهم الاستعداد للعلم والمعرفة والتمييز.وقام هذا القرآن يؤدي وظيفته: «بَشِيرًا وَنَذِيرًا» ..
يبشر المؤمنين العاملين،وينذر المكذبين المسيئين،ويبين أسباب البشرى وأسباب الإنذار،بأسلوبه العربي المبين.لقوم لغتهم العربية.ولكن أكثرهم مع هذا لم يقبل ويستجب: «فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» وقد كانوا يعرضون فلا يسمعون فعلا،ويتحامون أن يعرضوا قلوبهم لتأثير هذا القرآن القاهر.وكانوا يحضون الجماهير على عدم السماع كما سيجيء قولهم: «لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ» ..وأحيانا كانوا يسمعون،وكأنهم لا يسمعون،لأنهم يقاومون أثر هذا القرآن في نفوسهم فكأنهم صم لا يسمعون! «وَقالُوا:قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ،وَفِي آذانِنا وَقْرٌ،وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ،فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ» ..
قالوا هذا إمعانا في العناد،وتيئيسا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ليكف عن دعوتهم،لما كانوا يجدونه في قلوبهم من وقع كلماته،على حين يريدون عامدين ألا يكونوا مؤمنين! قالوا:قلوبنا في أغطية فلا تصل إليها كلماتك.وفي أذاننا صمم فلا تسمع دعوتك.ومن بيننا وبينك حجاب،فلا اتصال بيننا وبينك.فدعنا واعمل لنفسك فإننا عاملون لأنفسنا.أو أنهم قالوا غير مبادلين:نحن لا نبالي قولك وفعلك،وإنذارك ووعيدك.فإذا شئت فامض في طريقك فإنا ماضون في طريقنا.لا نسمع لك وافعل ما أنت فاعل.وهات وعيدك الذي تهددنا به فإننا غير مبالين.
هذا نموذج مما كان يلقاه صاحب الدعوة الأول - صلى الله عليه وسلم - ثم يمضي في طريقه يدعو ويدعو،لا يكف عن الدعوة،ولا ييأس من التيئيس،ولا يستبطئ وعد اللّه له ولا وعيده للمكذبين.كان يمضي مأمورا أن يعلن لهم أن تحقق وعيد اللّه ليس بيده فما هو إلا بشر يتلقى الوحي،فيبلغ به،ويدعو الناس إلى اللّه الواحد.وإلى الاستقامة على الطريق،وينذر المشركين كما أمر أن يفعل.والأمر بعد ذلك للّه لا يملك منه شيئا،فهو ليس إلا بشرا مأمورا: «قُلْ:إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ،يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ،وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ» ..
يا لعظمة الصبر والاحتمال والإيمان والتسليم! إنه لا يدرك ما في الصبر على هذه الحال،والتبرؤ من كل حول وقوة في مثل هذا الموقف،واحتمال الإعراض والتكذيب في تبجح واستهتار،دون استعجال