فهرس الكتاب

الصفحة 1869 من 4997

لما ذا كانت الخلائق على هذا النحو الذي كانت به ولم تكن على أي نحو آخر من الإمكانيات التي لا حصر لها في الكينونة؟ لماذا سارت في هذا الطريق ولم تسر في أي طريق آخر من الطرق الممكنة الأخرى؟

لما ذا استقامت على طريقها هذا ومن الذي يمسكها على نشأتها؟ ما سر هذه الوحدة السارية في طبيعتها إن لم يكن هذا هو الناموس الواحد،الصادر عن الإرادة الواحدة،التي يجري بها قدر مطرد مقصود؟

إن الجسم الحي. لا بل الخلية الحية. لمعجزة لا ينقضي منها العجب .. وجودها. تركيبها. تصرفها.

عمليات التحول الدائمة التي تتم فيها كل لحظة مع محافظتها على وجودها وتضمنها كذلك لوسيلة التجدد في أنسال منها ومعرفتها لوظيفتها ولامتداد هذه الوظيفة في أنسالها! .. فمن ذا الذي ينظر إلى هذه الخلية الواحدة،ثم يطمئن عقله - بل فطرته وضميره - إلى أن هذا الكون بلا إله،أو أن هناك آلهة مع اللّه؟

إن امتداد الحياة عن طريق الزوجية والنسل ليقوم شاهدا يهتف لكل قلب وكل عقل بتدبير الخالق الواحد المدبر .. وإلا فمن ذا الذي يضمن للحياة وجود الذكر والأنثى دائما في نسلها بالمقادير التي يتم بها هذا التزاوج؟

لما ذا لا يأتي زمن على الحياة تنسل ذكورا فقط أو إناثا فقط .. ولو حدث هذا لا نقطع النسل عند هذا الجيل ..فمن ذا الذي يمسك بعجلة التوازن دائما في الأجيال جميعا؟

إن التوازن ملحوظ في ملكوت السماوات والأرض جميعا - لا في هذه الظاهرة الحيوية وحدها - إنه ملحوظ في بناء الذرة كما هو ملحوظ في بناء المجرة! وملحوظ في التوازن بين الأحياء وبين الأشياء سواء ..

ولو اختل هذا التوازن شعرة ما ظل هذا الكون قائما لحظة! فمن الذي يمسك بعجلة التوازن الكبرى في السماوات والأرض جميعا؟ [1]

وعرب الجزيرة الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن أول مرة ما كانوا يدركون بعلومهم مدى هذا التوازن والتناسق في ملكوت السماوات والأرض وما خلق اللّه من شيء .. ولكن الفطرة الإنسانية بذاتها تلتقي مع هذا الكون في أعماقها وتتجاوب معه بلغة غير منطوقة إلا في هذه الأعماق. ويكفي أن ينظر الإنسان بالقلب المفتوح والعين المبصرة إلى هذا الكون حتى يتلقى إيقاعاته وإيحاءاته تلقيا موحيا هاديا.

(1) - يراجع فصل: «حقيقة الكون» وفصل: «حقيقة الحياة» في كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» القسم الثاني. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت