فهرس الكتاب

الصفحة 1868 من 4997

كل هذه الروايات تثبت أنهم ما كانوا جاهلين لحقيقة هذا الأمر إنما هم كانوا يستكبرون عنه ويخشونه على سلطانهم الذي تهدده شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه التي تسلب البشر حق تعبيد البشر لغير اللّه .. وتهدد كل طاغوت بشري على العموم! من ثم كانوا يستغلون تفرد هذا القرآن العجيب وتميزه عن قول البشر المعهود كما يستغلون الصورة التي كانت معهودة فيهم وفيمن قبلهم،عن الصلة بين التنبؤ والجنون! والنطق بكلمات ورموز يؤولها المصاحبون لمن بهم جنة وفق ما يريدون ويزعمون أنها تأتيهم من عالم غير منظور! .. كانوا يستغلون هذه الرواسب في التمويه على الجماهير بأن الذي يقوله محمد،إنما يقوله عن جنة به وأنه يأتي بالغريب العجيب من القول،لأنه مجنون [1] !

والقرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم الذي عرفوه من قبل وخبروه. فلم يعرفوا عنه من قبل خللا عن السواء وشهدوا له بالأمانة والصدق،كما شهدوا له بالحكمة وحكموه في الحجر الأسود وارتضوا حكمه واتقوا بهذا الحكم فتنة بينهم كادت تثور. واستأمنوه على ودائعهم وظلت عنده حتى خرج مهاجرا فردها لهم عنه ابن عمه علي كرم اللّه وجهه! القرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم هذا المعروف لهم ماضيه كله،المكشوف لهم أمره كله ..

أفهذا به جنة؟ .. أفهذا قول مجنون وفعل مجنون؟ .. كلا: «ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ .. إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» ..لا اختلاط في عقله ولا في قوله. إنما هو منذر مفصح مبين. لا يلتبس قوله بقول المجانين،ولا تشتبه حاله بحال المجانين.

ثم .. « أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيء؟» ..

وهي هزة أخرى أمام هذا الكون العجيب .. والنظر بالقلب المفتوح والعين المبصرة في هذا الملكوت الواسع الهائل العظيم،يكفي وحده لانتفاض الفطرة من تحت الركام وتفتح الكينونة البشرية لإدراك الحق الكامن فيه،والإبداع الذي يشهد به،والإعجاز الذي يدل على البارئ الواحد القدير .. والنظر إلى ما خلق اللّه من شيء- وكم في ملكوت السماوات والأرض من شيء- يدهش القلب ويحير الفكر،ويلجىء العقل إلى البحث عن مصدر هذا كله،وعن الإرادة التي أوجدت هذا الخلق على هذا النظام المقصود المشهور.

(1) - يراجع ما جاء عن صورة «النبي» وعلاقتها بالجنون في الجاهليات المختلفة في الجزء السابع من الظلال ص 1095 - 1099 ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت