القدم،هادئ البال،موصول باللّه،مطمئن بهذا الاتصال أما ذلك الصنف من الناس الذي يتحدث عنه السياق فيجعل العقيدة صفقة في سوق التجارة: «فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ» وقال:إن الإيمان خير.فها هو ذا يجلب النفع،ويدر الضرع،وينمي الزرع،ويربح التجارة،ويكفل الرواج «وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ» ..خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليه،ولم يتماسك له،ولم يرجع إلى اللّه فيه.وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه،وانكفائه عن عقيدته،وانتكاسه عن الهدى الذي كان ميسرا له.
والتعبير القرآني يصوره في عبادته للّه «عَلى حَرْفٍ» غير متمكن من العقيدة،ولا متثبت في العبادة.
يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى.ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة،ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب! إن حساب الربح والخسارة يصلح للتجارة،ولكنه لا يصلح للعقيدة.فالعقيدة حق يعتنق لذاته،بانفعال القلب المتلقي للنور والهدى الذي لا يملك إلا أن ينفعل بما يتلقى.والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها،بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى،فهي لا تطلب جزاءها خارجا عن ذاتها.
والمؤمن يعبد ربه شكرا له على هدايته إليه،وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به.فإن كان هنالك جزاء فهو فضل من اللّه ومنة.استحقاقا على الإيمان أو العبادة! والمؤمن لا يجرب إلهه.فهو قابل ابتداء لكل ما يقدره له،مستسلم ابتداء لكل ما يجربه عليه راض ابتداء بكل ما يناله من السراء والضراء.وليست هي صفقة في السوق بين بائع وشار،إنما هي إسلام المخلوق للخالق،صاحب الأمر فيه،ومصدر وجوده من الأساس.
والذي ينقلب على وجهه عند مس الفتنة يخسر الخسارة التي لا شبهة فيها ولا ريب: «ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ» ..يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى.إلى جوار خسارة المال أو الولد،أو الصحة،أو أعراض الحياة الأخرى التي يفتن اللّه بها عباده،ويبتلي بها ثقتهم فيه،وصبرهم على بلائه،وإخلاصهم أنفسهم له،واستعدادهم لقبول قضائه وقدره ..ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان.فيا له من خسران! وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد اللّه على حرف؟ إلى أين يتجه بعيدا عن اللّه؟ إنه «يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ» ..يدعو صنما أو وثنا على طريقة الجاهلية الأولى.ويدعو شخصا أو جهة أو مصلحة على طريقة الجاهليات المتناثرة في كل زمان ومكان،كلما انحرف الناس عن الاتجاه إلى اللّه وحده،والسير على صراطه ونهجه ..فما هذا كله؟ إنه الضلال عن المتجه الوحيد الذي يجدي فيه الدعاء: «ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» المغرق في البعد عن الهدى والاهتداء .. «يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ» من وثن أو شيطان،أو سند من بني الإنسان ..وهذا كله لا يملك ضرا ولا نفعا وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضر.وضره أقرب من نفعه.ضره في عالم الضمير بتوزيع القلب،وإثقاله بالوهم وإثقاله بالذل.وضره في عالم الواقع وكفى بما يعقبه في الآخرة