فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 4997

في طريقها.تضاعف المشاعر التي استجاشها مشهد الزرع والحصيلة ..إن اللّه يضاعف لمن يشاء.يضاعف بلا عدة ولا حساب.يضاعف من رزقه الذي لا يعلم أحد حدوده ومن رحمته التي لا يعرف أحد مداها: «وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» ..واسع ..لا يضيق عطاؤه ولا يكف ولا ينضب.عليم ..يعلم بالنوايا ويثبت عليها،ولا تخفى عليه خافية.

ولكن أي إنفاق هذا الذي ينمو ويربو؟ وأي عطاء هذا الذي يضاعفه اللّه في الدنيا والآخرة لمن يشاء؟

إنه الإنفاق الذي يرفع المشاعر الإنسانية ولا يشوبها.الإنفاق الذي لا يؤذي كرامة ولا يخدش شعورا.

الإنفاق الذي ينبعث عن أريحية ونقاء،ويتجه إلى اللّه وحده ابتغاء رضاه: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً،لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ،وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» ..

والمن عنصر كريه لئيم،وشعور خسيس واط.فالنفس البشرية لا تمن بما أعطت إلا رغبة في الاستعلاء الكاذب،أو رغبة في إذلال الآخذ،أو رغبة في لفت أنظار الناس.فالتوجه إذن للناس لا للّه بالعطاء ..

وكلها مشاعر لا تجيش في قلب طيب،ولا تخطر كذلك في قلب مؤمن ..فالمن - من ثم - يحيل الصدقة أذى للواهب وللآخذ سواء.أذى للواهب بما يثير في نفسه من كبر وخيلاء ورغبة في رؤية أخيه ذليلا له كسيرا لديه وبما يملأ قلبه بالنفاق والرياء والبعد من اللّه ..وأذى للآخذ بما يثير في نفسه من انكسار وانهزام،ومن رد فعل بالحقد والانتقام ..وما أراد الإسلام بالإنفاق مجرد سد الخلة،وملء البطن،وتلافي الحاجة ..

كلا! إنما أراده تهذيبا وتزكية وتطهيرا لنفس المعطي واستجاشة لمشاعره الإنسانية وارتباطه بأخيه الفقير في اللّه وفي الإنسانية وتذكيرا له بنعمة اللّه عليه وعهده معه في هذه النعمة أن يأكل منها في غير سرف ولا مخيلة،وأن ينفق منها «فِي سَبِيلِ اللَّهِ» في غير منع ولا من.كما أراده ترضية وتندية لنفس الآخذ،وتوثيقا لصلته بأخيه في اللّه وفي الإنسانية وسدا لخلة الجماعة كلها لتقوم على أساس من التكافل والتعاون يذكرها بوحدة قوامها ووحدة حياتها ووحدة اتجاهها ووحدة تكاليفها.والمن يذهب بهذا كله،ويحيل الإنفاق سما ونارا.فهو أذى وإن لم يصاحبه أذى آخر باليد أو باللسان.هو أذى في ذاته يمحق الإنفاق،ويمزق المجتمع،ويثير السخائم والأحقاد.

وبعض الباحثين النفسيين في هذه الأيام يقررون أن رد الفعل الطبيعي في النفس البشرية للإحسان هو العداء في يوم من الأيام! وهم يعللون هذا بأن الآخذ يحس بالنقص والضعف أمام المعطي ويظل هذا الشعور يحز في نفسه فيحاول الاستعلاء عليه بالتجهم لصاحب الفضل عليه وإضمار العداوة له لأنه يشعر دائما بضعفه ونقصه تجاهه ولأن المعطي يريد منه دائما أن يشعر بأنه صاحب الفضل عليه! وهو الشعور الذي يزيد من ألم صاحبه حتى يتحول إلى عداء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت