وقد يكون هذا كله صحيحا في المجتمعات الجاهلية - وهي المجتمعات التي لا تسودها روح الإسلام ولا يحكمها الإسلام - أما هذا الدين فقد عالج المشكلة على نحو آخر.عالجها بأن يقرر في النفوس أن المال مال اللّه وأن الرزق الذي في أيدي الواجدين هو رزق اللّه ..وهي الحقيقة التي لا يجادل فيها إلا جاهل بأسباب الزرق البعيدة والقريبة،وكلها منحة من اللّه لا يقدر الإنسان منها على شيء.وحبة القمح الواحدة قد اشتركت في إيجادها قوى وطاقات كونية من الشمس إلى الأرض إلى الماء إلى الهواء.وكلها ليست في مقدور الإنسان ..
وقس على حبة القمح نقطة الماء وخيط الكساء وسائر الأشياء ..فإذا أعطى الواجد من ماله شيئا فإنما من مال اللّه أعطى وإذا أسلف حسنة فإنما هي قرض للّه يضاعفه له أضعافا كثيرة.وليس المحروم الآخذ إلا أداة وسببا لينال المعطي الواهب أضعاف ما أعطى من مال اللّه!
ثم شرع هذه الآداب التي نحن الآن بصددها،توكيدا لهذا المعنى في النفوس،حتى لا يستعلي معط ولا يتخاذل آخذ.فكلاهما آكل من رزق اللّه.وللمعطين أجرهم من اللّه إذا هم أعطوا من مال اللّه في سبيل اللّه متأدبين بالأدب الذي رسمه لهم،متقيدين بالعهد الذي عاهدهم عليه: «وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» ..
من فقر ولا من حقد ولا من غبن ..
«وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» ..على ما أنفقوا في الدنيا،ولا على مصيرهم في الآخرة.
وتوكيدا للمعنى الذي سلف من حكمة الإنفاق والبذل.توكيدا لأن الغرض هو تهذيب النفوس،وترضية القلوب،وربط الواهب والآخذ برباط الحب في اللّه ..يقول في الآية التالية: «قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً.وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ» ..
فيقرر أن الصدقة التي يتبعها الأذى لا ضرورة لها! وأولى منها كلمة طيبة وشعور سمح.كلمة طيبة تضمد جراح القلوب،وتفعمها بالرضى والبشاشة.ومغفرة تغسل أحقاد النفوس وتحل محلها الإخاء والصداقة.
فالقول المعروف والمغفرة في هذه الحالة يؤديان الوظيفة الأولى للصدقة:من تهذيب النفوس وتأليف القلوب.
ولأن الصدقة ليست تفضلا من المانح على الآخذ،إنما هي قرض للّه ..عقب على هذا بقوله: «وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ» ..غني عن الصدقة المؤذية.حليم يعطي عباده الرزق فلا يشكرون،فلا يعجلهم بالعقاب ولا يبادرهم بالإيذاء وهو معطيهم كل شيء،ومعطيهم وجودهم ذاته قبل أن يعطيهم أي شيء - فليتعلم عباده من حلمه - سبحانه - فلا يعجلوا بالأذى والغضب على من يعطونهم جزاء مما أعطاه اللّه لهم.حين لا يروقهم منهم أمر،أولا ينالهم منهم شكر! وما يزال هذا القرآن يذكر الناس بصفة اللّه سبحانه ليتأدبوا منها بما يطيقون وما يزال أدب المسلم تطلعا لصفة ربه،وارتقاء في مصاعدها،حتى ينال منها ما هو مقسوم له،مما تطيقه طبيعته.