اللّه فدعاه فاستجاب له بالسقيا،ثم مكرت قريش بآية اللّه وظلت فيما هي فيه! وهي ظاهرة مطردة في الإنسان ما لم يعصمه الإيمان.
« قُلِ:اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا.إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ» ..فاللّه أقدر على التدبير وإبطال ما يمكرون.ومكرهم مكشوف لديه ومعروف،والمكر المكشوف إبطاله مضمون: «إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ» ..فلا شيء منه يخفى،ولا شيء منه ينسى.أما من هم هؤلاء الرسل وكيف يكتبون،فذلك غيب من الغيب الذي لا نعرف عنه شيئا إلا من مثل هذا النص،فعلينا أن ندركه دون ما تأويل ولا إضافة لدلالة اللفظ الصريح.
ثم ذلك المشهد الحي،الذي يعرض كأنه يقع،وتشهده العيون،وتتابعه المشاعر،وتخفق معه القلوب.
يبدأ بتقريرالقدرة المسيطرة المهيمنة على الحركة والسكون: «هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» ..
ذلك أن السورة كلها معرض لتقرير هذه القدرة التي تسيطر على أقدار الكون كله بلا شريك.
ثم ها نحن أولاء أمام المشهد القريب: «حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ» ..وها هي ذي الفلك تتحرك رخاء .. «وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ» ..وهذه مشاعر أهل الفلك ندركها: «وَفَرِحُوا بِها» ..
وفي هذا الرخاء الآمن،وفي هذا السرور الشامل،تقع المفاجأة،فتأخذ الغارين الآمنين الفرحين:
«جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ» .
يا للهول! «وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ» ..وتناوحت الفلك واضطربت بمن فيها،ولاطمها الموج وشالها وحطها،ودار بها كالريشة الضائعة في الخضم ..وهؤلاء أهلها في فزع يظنون أن لا مناص:
«وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ» ..فلا مجال للنجاة ..
عندئذ فقط،وفي وسط هذا الهول المتلاطم،تتعرى فطرتهم مما ألم بها من أوشاب،وتنفض قلوبهم ما ران عليها من تصورات،وتنبض الفطرة الأصيلة السليمة بالتوحيد وإخلاص الدينونة للّه دون سواه: « دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ:لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ» ! وتهدأ العاصفة ويطمئن الموج،وتهدأ الأنفاس اللاهثة،وتسكن القلوب الطائرة،وتصل الفلك آمنة إلى الشاطئ،ويوقن الناس بالحياة،وأرجلهم مستقرة على اليابسة.فماذا؟
«فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ!» ..هكذا بغتة ومفاجأة! إنه مشهد كامل،لم تفتنا منه حركة ولا خالجة ..مشهد حادث.ولكنه مشهد نفس،ومشهد طبيعة ومشهد نموذج بشري لطائفة كبيرة من الناس في كل جيل.ومن ثم يجيء التعقيب تحذيرا للناس أجمعين: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» ..سواء كان بغيا على النفس خاصة،بإيرادها موارد التهلكة،والزج بها في ركب الندامة الخاسر بالمعصية أو كان بغيا على الناس فالناس نفس واحدة.على أن البغاة ومن يرضون منهم البغي يلقون في أنفسهم العاقبة.