يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ،وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ! ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ،وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ».
إن اللّه ينادي الذين آمنوا بالصفة التي تربطهم به سبحانه،وتوحي إليهم أن يتلقوا منه الشرائع وأن يأخذوا عنه الحلال والحرام.ويذكرهم بما رزقهم فهو وحده الرازق،ويبيح لهم الطيبات مما رزقهم فيشعرهم أنه لم يمنع عنهم طيبا من الطيبات،وأنه إذا حرم عليهم شيئا فلأنه غير طيب،لا لأنه يريد أن يحرمهم ويضيق عليهم - وهو الذي أفاض عليهم الرزق ابتداء - ويوجههم للشكر إن كانوا يريدون أن يعبدوه وحده بلا شريك.فيوحي إليهم بأن الشكر عبادة وطاعة يرضاها اللّه من العباد ..كل أولئك في آية واحدة قليلة الكلمات: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ» [1] ..ثم يبين لهم المحرمات من المآكل نصا وتحديدا باستعمال أداة القصر» «إِنَّما» ..
« إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ» ..والميتة تأباها النفس السليمة وكذلك الدم،فضلا على ما أثبته الطب - بعد فترة طويلة من تحريم القرآن والتوراة قبله بإذن اللّه - من تجمع الميكروبات والمواد الضارة في الميتة وفي الدم،ولا ندري إن كان الطب الحديث قد استقصى ما فيهما من الأذى أم إن هناك أسبابا أخرى للتحريم لم يكشف عنها بعد للناس.
فأما الخنزير فيجادل فيه الآن قوم ..والخنزير بذاته منفر للطبع النظيف القويم ..ومع هذا فقد حرمه اللّه منذ ذلك الأمد الطويل ليكشف علم الناس منذ قليل أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة (الدودة الشريطية وبويضاتها المتكيسة) .ويقول الآن قوم:إن وسائل الطهو الحديثة قد تقدمت،فلم تعد هذه الديدان وبويضاتها مصدر خطر لأن إبادتها مضمونة بالحرارة العالية التي توافرها وسائل الطهو الحديثة ..وينسى هؤلاء الناس أن علمهم قد احتاج إلى قرون طويلة ليكشف آفة واحدة.فمن ذا الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى في لحم الخنزير لم يكشف بعد عنها؟ أفلا تستحق الشريعة التي سبقت هذا العلم البشري بعشرات القرون أن نئق بها،وندع كلمة الفصل لها،ونحرم ما حرمت،ونحلل ما حللت،وهي من لدن حكيم خبير!
أما ما أهل به لغير اللّه.أي ما توجه به صاحبه لغير اللّه.فهو محرم،لا لعلة فيه،ولكن للتوجه به لغير اللّه.محرم لعلة روحية تنافي صحة التصور،وسلامة القلب،وطهارة الروح،وخلوص الضمير،ووحدة
(1) - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) » .ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ».صحيح مسلم- المكنز [6 /336] (2393 )