فإذا ذكر هم اللّه بالنعمة هنا،فهم يذكرون شيئا حاضرا في حياتهم لا يحتاج إلى طول تذكر.وهم هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية ثم عاشوا في الإسلام في جيل واحد.وشهدوا هذه النقلة البعيدة التي لا تحققها إلا خارقة فوق تصور البشر ..وهم يذكرون هذه النعمة ممثلة فيما أنزل اللّه عليهم من الكتاب والحكمة يعظهم به ..
والقرآن يقول لهم: «وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ» ..بضمير المخاطب ليشعروا بضخامة الإنعام وغزارة الفيض ولصوق النعمة بأشخاصهم،واللّه ينزل عليهم هذه الآيات،التي يتألف منها المنهج الرباني،ومنه دستور الأسرة قاعدة الحياة ..
ثم يلمس قلوبهم اللمسة الأخيرة في هذه الآية،وهو يخوفهم اللّه ويذكرهم أنه بكل شيء عليم: «وَاتَّقُوا اللَّهَ،وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..فيستجيش شعور الخوف والحذر،بعد شعور الحياء والشكر ..ويأخذ النفس من أقطارها،ليقودها في طريق السماحة والرفق والتجمل ..
كذلك ينهاهم أن يعضلوا المطلقة - حين توفي العدة - ويمنعوها أن تتراجع مع زوجها إذا تراضيا بالمعروف: «وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ» ..
وقد أورد الترمذي عَنْ مَعْقِلِ بن يَسَارٍ الْمُزَنِيِّ،أَنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،فَكَانَتْ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ،ثُمَّ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً،فَلَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةَ،فَهَوَاهَا وَهَوَتْهُ،ثُمَّ خَطَبَهَا مَعَ الْخُطَّابِ،فَقَالَ لَهُ:"يَا لُكَعُ،أَكْرَمْتُكَ بِهَا وَزَوَّجْتُكَهَا فَطَلَّقْتَهَا،وَاللَّهِ لا تَرْجِعُ إِلَيْكَ أَبَدًا آخَرُ مَا عَلَيْكَ"،فَعَلِمَ اللَّهُ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا،وَحَاجَتُهَا إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:"وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ" [البقرة آية 232] إِلَى آخِرِ الآيَةِ"،فَلَمَّا سَمِعَهَا مَعْقِلٌ،قَالَ:"سَمْعًا لِرَبِّي وَطَاعَةً"،ثُمَّ دَعَاهُ،فَقَالَ:"أُزَوِّجُكَ وَأُكْرِمُكُ". [1] .."
وهذه الاستجابة الحانية من اللّه - سبحانه - لحاجات القلوب التي علم من صدقها ما علم،تكشف عن جانب من رحمة اللّه بعباده ..أما الآية بعمومها فيبدو فيها التيسير الذي أراده اللّه بالعباد،والتربية التي أخذ بها المنهج القرآني الجماعة المسلمة،والنعمة التي أفاضها عليها بهذا المنهج القويم،الذي يواجه الواقع من حياة الناس في جميع الأحوال.
(1) - المعجم الكبير للطبراني [15 /140] (16872 ) وسنن الترمذى- المكنز [11 /217] (3248 ) حسن اللكع:الأحمق اللئيم
قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.وَقَدْ رُوِىَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ الْحَسَنِ.وَفِى هَذَا الْحَدِيثِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِىٍّ لأَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ إِلَيْهَا دُونَ وَلِيِّهَا لَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا وَلَمْ تَحْتَجْ إِلَى وَلِيِّهَا مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ فِى الآيَةِ الأَوْلِيَاءَ فَقَالَ (فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) فَفِى هَذِهِ الآيَةِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ إِلَى الأَوْلِيَاءِ فِى التَّزْوِيجِ مَعَ رِضَاهُنَّ.