وبعث أبرهة رسولا إلى مكة يسأل عن سيد هذا البلد،ويبلغه أن الملك لم يأت لحربهم وإنما جاء لهدم هذا البيت،فإن لم يتعرضوا له فلا حاجة له في دمائهم! فإذا كان سيد البلد لا يريد الحرب جاء به إلى الملك ..فلما كلم عبد المطلب فيما جاء به قال له:واللّه ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة.هذا بيت اللّه الحرام.وبيت خليله إبراهيم عليه السلام ..فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه،وإن يخل بينه وبينه فو اللّه ما عندنا دفع عنه ..فانطلق معه إلى أبرهة ..
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:"إنَّ أَبْرَهَةَ بَنَى كَنِيسَةً بِصَنْعَاءَ،وَكَانَ نَصْرَانِيًّا،فَسَمَّاهَا الْقُلَّيْسَ ؛ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي زَمَانِهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ ؛ وَكَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ:إِنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ كَنِيسَةً،لَمْ يُبْنَ مِثْلُهَا لِمَلِكٍ كَانَ قَبْلَكَ،وَلَسْتُ بِمُنْتَهٍ حَتَّى أَصْرِفَ إِلَيْهَا حَاجَّ الْعَرَبِ .فَلَمَّا تَحَدَّثَتِ الْعَرَبُ بِكِتَابِ أَبْرَهَةَ ذَلِكَ لِلنَّجَاشِيٍّ،غَضِبَ رَجُلٌ مِنَ النَّسَأَةِ أَحَدُ بَنِي فُقَيْمٍ،ثُمَّ أَحَدُ بَنِي مَلِكٍ،فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْقُلَّيْسَ،فَقَعَدَ فِيهَا،ثُمَّ خَرَجَ فَلَحِقَ بِأَرْضِهِ،فَأُخْبِرَ أَبْرَهَةُ بِذَلِكَ،فَقَالَ:مَنْ صَنَعَ هَذَا ؟ فَقِيلَ:صَنَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ،الَّذِي تَحُجُّ الْعَرَبُ إِلَيْهِ بِمَكَّةَ،لَمَّا سَمِعَ مِنَ قَوْلِكَ:أَصْرِفُ إِلَيْهِ حَاجَّ الْعَرَبِ،فَغَضِبَ،فَجَاءَ فَقَعَدَ فِيهَا،أَيْ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ ؛ فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ أَبْرَهَةُ،وَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إِلَى الْبَيْتِ فَيَهْدِمَهُ،وَعِنْدَ أَبْرَهَةَ رِجَالٌ مِنَ الْعَرَبِ قَدْ قَدِمُوا عَلَيْهِ يَلْتَمِسُونَ فَضْلَهُ،مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ خُزَاعِيِّ بْنِ حُزَابَةَ الذَّكْوَانِيُّ،ثُمَّ السُّلَمِيُّ،فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ،مَعَهُ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ قَيْسُ بْنُ خُزَاعِيِّ ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ عِنْدَهُ،غَشِيَهُمْ عَبْدٌ لِأَبْرَهَةَ،فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ فِيهِ بِغِذَائِهِ،وَكَانَ يَأْكُلُ الْخُصَى ؛ فَلَمَّا أَتَى الْقَوْمَ بِغِذَائِهِ،قَالُوا:وَاللَّهِ لَئِنْ أَكَلْنَا هَذَا لَا تَزَالُ تَسُبُّنَا بِهِ الْعَرَبُ مَا بَقِينَا،فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ خُزَاعِيٍّ،فَجَاءَ أَبْرَهَةَ فَقَالَ:أَيُّهَا الْمَلِكُ،إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ لَنَا،لَا نَأْكُلُ فِيهِ إِلَّا الْجُنُوبَ وَالْأَيْدِي،فَقَالَ لَهُ أَبْرَهَةُ:فَسَنَبْعَثُ إِلَيْكُمْ مَا أَحْبَبْتُمْ،فَإِنَّمَا أَكْرَمْتُكُمْ بِغِذَائِي،لِمَنْزِلَتِكُمْ عِنْدِي .ثُمَّ إِنَّ أَبْرَهَةَ تَوَّجَ مُحَمَّدَ بْنَ خُزَاعِيٍّ،وَأَمَّرَهُ عَلَى مُضَرَ،أَنْ يَسِيرَ فِي النَّاسِ،يَدْعُوهُمْ إِلَى حَجِّ الْقُلَّيْسِ،كَنَيسَتِهِ الَّتِي بَنَاهَا،فَسَارَ مُحَمَّدُ بْنُ خُزَاعِيٍّ،حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِبَعْضِ أَرْضِ بَنِي كِنَانَةَ،وَقَدْ بَلَغَ أَهْلَ تِهَامَةَ أَمْرُهُ،وَمَا جَاءَ لَهُ،بَعَثُوا إِلَيْهِ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ حِيَاضٍ الْمِلَاصِيُّ،فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ ؛ وَكَانَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَاعِيٍّ أَخُوهُ قَيْسُ بْنُ خُزَاعِيٍّ،فَهَرَبَ حِينَ قُتِلَ أَخُوهُ،فَلَحِقَ بِأَبْرَهَةَ فَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِهِ،فَزَادَ ذَلِكَ أَبْرَهَةَ غَضَبًا وَحِنْقًا،وَحَلَفَ لَيَغْزُوَنَّ بَنِي كِنَانَةَ،وَلَيَهْدِمَنَّ الْبَيْتَ .ثُمَّ إِنَّ أَبْرَهَةَ حِينَ أَجْمَعَ السَّيْرَ إِلَى الْبَيْتِ،أَمَرَ الْحُبْشَانَ فَتَهَيَّأَتْ وَتَجَهَّزَتْ،وَخَرَجَ مَعَهُ بِالْفِيلِ،وَسَمِعَتِ الْعَرَبُ بِذَلِكَ،فَأَعْظَمُوهُ،وَفَظِعُوا بِهِ،وَرَأَوْا جِهَادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ،حِينَ سَمِعُوا أَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ الْكَعْبَةِ،بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ،فَخَرَجَ رَجُلٌ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَمُلُوكِهِمْ،يُقَالُ لَهُ ذُو نَفْرٍ،فَدَعَا قَوْمَهُ وَمَنْ أَجَابَهُ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ،إِلَى حَرْبِ أَبْرَهَةَ،وَجِهَادِهِ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ،وَمَا يُرِيدُ مِنْ هَدْمِهِ وَإِخْرَابِهِ،فَأَجَابَهُ مَنْ أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ،وَعَرَضَ لَهُ،وَقَاتَلَهُ،فَهُزِمَ وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ،وَأُخِذَ لَهُ ذُو نَفْرٍ أَسِيرًا ؛ فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ،قَالَ ذُو نَفْرٍ:أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَقْتُلْنِي،فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَائِي مَعَكَ خَيْرًا لَكَ مِنْ قَتْلِي ؛ فَتَرَكَهُ مِنَ الْقَتْلِ،وَحَبَسَهُ عِنْدَهُ فِي وَثَاقٍ .وَكَانَ أَبْرَهَةُ رَجُلًا حَلِيمًا"