فهرس الكتاب
ثم يمضي في التعقيب على حديث الإفك وما تخلف عنه من آثار مكررا التحذير من مثله،مذكرا بفضل اللّه ورحمته،متوعدا من يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بعذاب اللّه في الآخرة.ذلك مع تنقية النفوس من آثار المعركة وإطلاقها من ملابسات الأرض،وإعادة الصفاء إليها والإشراق ..كما تتمثل في موقف أبي بكر - رضي اللّه عنه - من قريبه مسطح بن أثاثة الذي خاض في حديث الإفك مع من خاض: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ،وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» ..
والذين يرمون المحصنات - وبخاصة أولئك الذين تجرأوا على رمي بيت النبوة الكريم - إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة،وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها ..بذلك تشيع الفاحشة في النفوس،لتشيع بعد ذلك في الواقع.
من أجل هذا وصف الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا،وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
وذلك جانب من منهج التربية،وإجراء من إجراءات الوقاية.يقوم على خبرة بالنفس البشرية،ومعرفة بطريقة تكيف مشاعرها واتجاهاتها ..ومن ثم يعقب بقوله: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» ..ومن ذا الذي يعلم أمر هذه النفس إلا الذي خلقها؟ ومن ذا الذي يدبر أمر هذه الإنسانية إلا الذي برأها؟ ومن ذا الذي يرى الظاهر والباطن،ولا يخفى على علمه شيء إلا العليم الخبير؟
ومرة أخرى يذكر المؤمنين بفضل اللّه عليهم ورحمته: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» ..
إن الحديث لعظيم،وإن الخطأ لجسيم،وإن الشر الكامن فيه لخليق أن يصيب الجماعة المسلمة كلها بالسوء.ولكن فضل اللّه ورحمته،ورأفته ورعايته ..ذلك ما وقاهم السوء ..ومن ثم يذكرهم به المرة بعد المرة وهو يربيهم بهذه التجربة الضخمة التي شملت حياة المسلمين.
فإذا تمثلوا أن ذلك الشر العظيم كان وشيكا أن يصيبهم جميعا،لولا فضل اللّه ورحمته،صور لهم عملهم بأنه اتباع لخطوات الشيطان.وما كان لهم أن يتبعوا خطوات عدوهم وعدو أبيهم من قديم.وحذرهم ما يقودهم الشيطان إليه من مثل هذا الشر المستطير: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ.وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ،وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..
وإنها لصورة مستنكرة أن يخطو الشيطان فيتبع المؤمنون خطاه،وهم أجدر الناس أن ينفروا من الشيطان وأن يسلكوا طريقا غير طريقة المشئوم! صورة مستنكرة ينفر منها طبع المؤمن،ويرتجف لها وجدانه،ويقشعر لها خياله!