فهرس الكتاب

الصفحة 3189 من 4997

اللَّهُ مَنْ قَالَ فِي الْفَاحِشَةِ مَا قَالَ, ثُمَّ قَالَ:"لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ"أَيْ:فَقُولُوا كَمَا قَالَ أَبُو أَيُّوبَ وَصَاحِبَتُهُ" [1] ."

ونقل الإمام محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره [2] : «الكشاف» أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب:ألا ترين ما يقال؟ فقالت:لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - سوءا؟ قال:لا.قالت:ولو كنت أنا بدل عائشة - رضي اللّه عنها - ما خنت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فعائشة خير مني،وصفوان خير منك [3] ..

وكلتا الروايتين تدلان على أن بعض المسلمين رجع إلى نفسه واستفتى قلبه،فاستبعد أن يقع ما نسب إلى عائشة،وما نسب إلى رجل من المسلمين:من معصية للّه وخيانة لرسوله،وارتكاس في حمأة الفاحشة،لمجرد شبهة لا تقف للمناقشة!

هذه هي الخطوة الأولى في المنهج الذي يفرضه القرآن لمواجهة الأمور.خطوة الدليل الباطني الوجداني.

فأما الخطوة الثانية فهي طلب الدليل الخارجي والبرهان الواقعي:لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ! فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ» ..وهذه الفرية الضخمة التي تتناول أعلى المقامات،وأطهر الأعراض،ما كان ينبغي أن تمر هكذا سهلة هينة وأن تشيع هكذا دون تثبت ولا بينة وأن تتقاذفها الألسنة وتلوكها الأفواه دون شاهد ولا دليل: «لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ!» وهم لم يفعلوا فهم كاذبون إذن.كاذبون عند اللّه الذي لا يبدل القول لديه،والذي لا يتغير حكمه،ولا يتبدل قراره.فهي الوصمة الثابتة الصادقة الدائمة التي لا براءة لهم منها،ولا نجاة لهم من عقباها.

هاتان الخطوتان:خطوة عرض الأمر على القلب واستفتاء الضمير.وخطوة التثبت بالبينة والدليل ..

غفل عنهما المؤمنون في حادث الإفك وتركوا الخائضين يخوضون في عرض رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو أمر عظيم لولا لطف اللّه لمس الجماعة كلها البلاء العظيم.فاللّه يحذرهم أن يعودوا لمثله أبدا بعد هذا الدرس الأليم: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ» ..

لقد احتسبها اللّه للجماعة المسلمة الناشئة درسا قاسيا.فأدركهم بفضله ورحمته ولم يمسسهم بعقابه وعذابه.فهي فعلة تستحق العذاب العظيم.العذاب الذي يتناسب مع العذاب الذي سببوه للرسول - صلى الله عليه وسلم - وزوجه وصديقه وصاحبه الذي لا يعلم عليه إلا خيرا.والعذاب الذي يتناسب مع الشر الذي ذاع في الجماعة المسلمة وشاع ومس كل المقدسات التي تقوم عليها حياة الجماعة.والعذاب الذي يناسب خبث الكيد الذي كادته عصبة المنافقين للعقيدة لتقتلعها من جذورها حين تزلزل ثقة المؤمنين

(1) - تفسير ابن أبي حاتم [10 /56] ( 15049) حسن

(2) - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل-ط دار الكتاب العربي [1 /378]

(3) - لم أجد الرواية هذه وهي بمعنى الرواية الأولى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت