ومع الترغيب الترهيب: «وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ» ..
والعاقبة معروفة،لا يغيرها تجمع،ولا تبدلها كثرة: «وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ» ..
وماذا تفعل الكثرة إذا كان اللّه في جانب المؤمنين؟
«وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ» ..إن المعركة على هذا النحو لن تكون متكافئة أبدا لأن المؤمنين - ومعهم اللّه - سيكونون في صف والكفار - وليس معهم إلا ناس من البشر من أمثالهم - سيكونون في الصف الآخر. والمعركة على هذا النحو مقررة المصير! ولقد كان مشركو العرب يعرفون هذه الحقيقة. فإن معرفتهم باللّه سبحانه لم تكن قليلة ولا سطحية ولا غامضة كما يتصور الناس اليوم من خلال تأثرهم ببعض التعميمات التاريخية. ولم يكن شرك العرب متمثلا في إنكار اللّه - سبحانه - ولا في عدم معرفتهم الحقيقة .. إنما كان يتمثل،أكثر ما يتمثل،في عدم إخلاصهم العبودية له وذلك بتلقي منهج حياتهم وشرائعهم من غيره وهو ما لم يكن متفقا مع إقرارهم بألوهية اللّه ومعرفتهم لحقيقته ..
ولقد مر بنا في استعراض أحداث الموقعة من كتب السيرة:أنه قَدْ كَانَ خُفَافُ بْنُ أَيْمَاءَ بْنِ رَحَضَةَ الْغِفَارِيّ ،أَوْ أَبُوهُ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيّ ،بَعَثَ إلَى قُرَيْشٍ ،حِينَ مَرّوا بِهِ ابْنَا لَهُ بِجَزَائِرِهِ أَهْدَاهَا لَهُمْ وَقَالَ إنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ نُمِدّكُمْ بِسِلَاحِ وَرِجَالٍ فَعَلْنَا . قَالَ فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ أَنْ وَصَلَتْك رَحِمٌ قَدْ قَضَيْت الّذِي عَلَيْك ،فَلَعَمْرِي لَئِنْ كُنّا إنّمَا نُقَاتِلُ النّاسَ فَمَا بِنَا مِنْ ضَعْفٍ عَنْهُمْ وَلَئِنْ كُنّا إنّمَا نُقَاتِلُ اللّهَ كَمَا يَزْعُمُ مُحَمّدٌ فَمَا لِأَحَدِ بِاَللّهِ مِنْ طَاقَةٍ [1] . .
كذلك مرَّ بنا قول الأخنس بن شريق لبني زهرة - وهو مشرك وهم مشركون:قَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ:يَا مَعْشَرَ بَنِي زُهْرَةَ ،إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَجَّى أَمْوَالَكُمْ ،وَنَجَّى صَاحِبَكُمْ ،فَارْجِعُوا . فَأَطَاعُوهُ فَرَجَعَتْ زُهْرَةُ فَلَمْ يَشْهَدُوهَا ،وَلَا بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ.. [2] إلخ ومثله استفتاح أبي جهل نفسه - فرعون هذه الأمة [3] ،فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ،أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ:حِينَ الْتَقَى الْقَوْمُ:اللَّهُمَّ أَقْطَعَنَا الرَّحِمَ،وَآتَانَا بِمَا لاَ يُعْرَفُ فَأَحْنِهِ الْغَدَاةَ،فَكَانَ الْمُسْتَفْتِحَ [4] ...
(1) - سيرة ابن هشام [1 /621] بلا إسناد
(2) - دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ ( 874 ) صحيح مرسل
(3) - عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ،عَنْ أَبِيهِ،قَالَ:أَتَيْتُ أَبَا جَهْلٍ وَقَدْ جُرِحَ،وَقُطِعَتْ رِجْلُهُ .قَالَ:فَجَعَلْتُ أَضْرِبُهُ بِسَيْفِي،فَلاَ يَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا،قِيلَ لِشَرِيكٍ:فِي الْحَدِيثِ:وَكَانَ يَذُبُّ بِسَيْفِهِ ؟ قَالَ:نَعَمْ،قَالَ:فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخَذْتُ سَيْفَهُ،فَضَرَبْتُهُ بِهِ،حَتَّى قَتَلْتُهُ .قَالَ:ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقُلْتُ:قَدْ قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ،وَرُبَّمَا قَالَ شَرِيكٌ:قَدْ قَتَلْتُ أَبَا جَهْلٍ،قَالَ:أَنْتَ رَأَيْتَهُ ؟ قُلْتُ:نَعَمْ .قَالَ:آللَّهِ مَرَّتَيْنِ ؟ قُلْتُ:نَعَمْ .قَالَ:فَاذْهَبْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ .فَذَهَبَ،فَأَتَاهُ،وَقَدْ غَيَّرَتِ الشَّمْسُ مِنْهُ شَيْئًا،فَأَمَرَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ،فَسُحِبُوا حَتَّى أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ،قَالَ:وَأُتْبِعَ أَهْلُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً،وَقَالَ:كَانَ هَذَا فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ.مسند أحمد (عالم الكتب) [2 /74] 3824 صحيح لغيره
وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ،قَالَ:قَالَ عَبْدُ اللهِ:انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ ضُرِبَتْ رِجْلُهُ،وَهُوَ صَرِيعٌ،وَهُوَ يَذُبُّ النَّاسَ عَنْهُ بِسَيْفٍ لَهُ،فَقُلْتُ:الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاكَ يَا عَدُوَّ اللهِ فَقَالَ:هَلْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ قَتَلَهُ قَوْمُهُ ؟ قَالَ:فَجَعَلْتُ أَتَنَاوَلُهُ بِسَيْفٍ لِي غَيْرِ طَائِلٍ،فَأَصَبْتُ يَدَهُ،فَنَدَرَ سَيْفُهُ،فَأَخَذْتُهُ فَضَرَبْتُهُ بِهِ،حَتَّى قَتَلْتُهُ،قَالَ:ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ،كَأَنَّمَا أُقَلُّ مِنَ الأَرْضِ،فَأَخْبَرْتُهُ،فَقَالَ:آللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ؟ فَرَدَّدَهَا ثَلاَثًا،قَالَ:قُلْتُ:آللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ،قَالَ:فَخَرَجَ يَمْشِي مَعِي،حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ،فَقَالَ:الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاكَ يَا عَدُوَّ اللهِ،هَذَا كَانَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ قَالَ عَبْدُ اللهِ:فَنَفَّلَنِي سَيْفَهُ.مسند أحمد (عالم الكتب) [2 /165] 4246 صحيح لغيره
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ،قَالَ:أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ بَدْرٍ،فَقُلْتُ:قَتَلْتُ أَبَا جَهْلٍ،قَالَ:آللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ؟ قَالَ:قُلْتُ:آللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ،فَرَدَّدَهَا ثَلاَثًا،قَالَ:اللَّهُ أَكْبَرُ،الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ،وَنَصَرَ عَبْدَهُ،وَهَزَمَ الأَحْزَابَ،وَحْدَهُ،انْطَلِقْ فَأَرِنِيهِ فَانْطَلَقْنَا،فَإِذَا بِهِ،فَقَالَ:هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ.مسند أحمد (عالم الكتب) [2 /166] (4247) صحيح لغيره
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ،قَالَ:لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ وَهُوَ مَصْرُوعٌ فَضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي فَمَا صَنَعَ شَيْئًا وَنَدَرَ سَيْفُهُ فَضَرَبْتُهُ بِهِ ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي يَوْمٍ حَارٍّ كَأَنَّمَا أُقَلُّ مِنَ الأَرْضِ فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا عَدُوُّ اللهِ أَبُو جَهْلٍ قَدْ قُتِلَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:آللَّهِ لَقَدْ قُتِلَ ؟ قُلْتُ:آللَّهِ لَقَدْ قُتِلَ فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَيْنَاهُ فَجَاءَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ:هَذَا كَانَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ.مسند الطيالسي -طبعة دار هجر - مصر [1 /188] (326) صحيح
وما جرى بين عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وأبي جهل وهو في الرمق الأخير من الحوار فيه عبرة بليغة، فهذا الطاغية الذي كان شديد الأذى للمسلمين في مكة قد وقع صريعًا بين أيدي من كان يؤذيهم.ويشاء الله تعالى أن يكون الذي يقضي على آخر رمق من حياته هو أحد المستضعفين، ولقد كان أبو جهل مستكبرًا جبارًا حتى وهو صريع وفي آخر لحظات حياته.
فالله تعالى لم يعجِّل لهذا الخبيث أبي جهل بضربات الأبطال من أشبال الأنصار، ولكنه أبقاه مصروعًا في حالة من الإدراك والوعي بعد أن أصابته ضربات أشفت به على الهلاك الأبدي، ليريه بعين بصره ما بلغه من المهانة والذل والخذلان على يد من كان يستضعفه ويؤذيه، ويضطهده بمكة من رجال الرعيل الأول -السابقين إلى مظلّة الإيمان وطهر العقيدة، والتعبد لله بشرائعه، التي أنزلها رحمة للعالمين- عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - فيعلو على صدره، ويدوسه بقدميه، ويقبض على لحيته تحقيرًا له، ويقرّعه تقريعًا يبلغ من نفسه مجمع غروره واستكباره في الأرض، ويستل منه سيفه إمعانًا في البطش به فيقتله به، ويمعن في إغاظته بإخباره أن النصر عقد بناصية جند الله وكتيبة الإسلام، وأن شنار الهزيمة النكراء وعارها، وخزيها وخذلانها قد رزئت به كتائب الغرور الأجوف في حشود النفير الذي قاده هذا الكفور الخبيث...السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث [3 /41]
(4) - مسند أحمد (عالم الكتب) [7 /807] (23661) 24060 صحيح