فهرس الكتاب

الصفحة 3835 من 4997

وفي ذلك اليوم ينادي الملائكة الذين يحشرون الناس للموقف.وينادي أصحاب الأعراف على أصحاب الجنة وأصحاب النار.وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار،وأصحاب النار أصحاب الجنة ..فالتنادي واقع في صور شتى.وتسميته «يَوْمَ التَّنادِ» تلقي عليه ظل التصايح وتناوح الأصوات من هنا ومن هناك،وتصور يوم زحام وخصام.وتتفق كذلك مع قول الرجل المؤمن: «يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ» ..

وقد يكون ذلك فرارهم عند هول جهنم،أو محاولتهم الفرار.ولا عاصم يومئذ ولات حين فرار.وصورة الفزع والفرار هي أولى الصور هنا للمستكبرين المتجبرين في الأرض،أصحاب الجاه والسلطان! «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» ..ولعل فيها إشارة خفية إلى قولة فرعون: «وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ» ..وتلميحا بأن الهدى هدى اللّه.وأن من أضله اللّه فلا هادي له.واللّه يعلم من حال الناس وحقيقتهم من يستحق الهدى ومن يستحق الضلال.

وأخيرا يذكرهم بموقفهم من يوسف،ومن ذريته كان موسى - عليهما السّلام - وكيف وقفوا موقف الشك من رسالته وما جاءهم به من الآيات،فلا يكرروا الموقف من موسى،وهو يصدق ما جاءهم به يوسف،فكانوا منه في شك وارتياب.ويكذب ما جزموا به من أن اللّه لن يبعث من بعده رسولا،وها هو ذا موسى يجيء على فترة من يوسف ويكذب هذا المقال: « وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ،فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ،حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ:لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا.كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ.الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ.كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا.كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» ..

وهذه هي المرة الوحيدة في القرآن التي يشار فيها إلى رسالة يوسف - عليه السّلام - للقوم في مصر.وقد عرفنا من سورة يوسف،أنه كان قد وصل إلى أن يكون على خزائن الأرض،المتصرف فيها.وأنه أصبح «عزيز مصر» وهو لقب قد يكون لكبير وزراء مصر.وفي السورة كذلك ما قد يؤخذ منه أنه جلس على عرش مصر - وإن لم يكن ذلك مؤكدا - وذلك قوله: «وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ:يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» ..

وقد يكون العرش الذي رفع عليه أبويه شيئا آخر غير عرش المملكة المصرية الفرعونية.وعلى أية حال فقد وصل يوسف إلى مكان الحكم والسلطان.ومن ثم نملك أن نتصور الحالة التي يشير إليها الرجل المؤمن.حالة شكهم فيما جاءهم به يوسف من قبل،مع مصانعة يوسف صاحب السلطان وعدم الجهر بتكذيبه وهو في هذا المكان! «حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا» ..وكأنما استراحوا لموته،فراحوا يظهرون ارتياحهم في هذه الصورة،ورغبتهم عما جاءهم به من التوحيد الخالص،الذي يبدو مما تكلم به في سجنه مع صاحبي السجن: «أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ» ..فزعموا أن لن يجيئهم من بعده رسول،لأن هذه كانت رغبتهم.وكثيرا ما يرغب المرء في شيء ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت