فهرس الكتاب

الصفحة 3127 من 4997

على خلق هذا الذباب الصغير الحقير! وخلق الذباب مستحيل كخلق الجمل والفيل.لأن الذباب يحتوي على ذلك السر المعجز سر الحياة.

فيستوي في استحالة خلقه مع الجمل والفيل ..ولكن الأسلوب القرآني المعجز يختار الذباب الصغير الحقير لأن العجز عن خلقه يلقي في الحس ظل الضعف أكثر مما يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل! دون أن يخل هذا بالحقيقة في التعبير.وهذا من بدائع الأسلوب القرآني العجيب!

ثم يخطو خطوة أوسع في إبراز الضعف المزري: «وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ» ..والآلهة المدعاة لا تملك استنقاذ شيء من الذباب حين يسلبها إياه،سواء كانت أصناما أو أوثانا أو أشخاصا! وكم من عزيز يسلبه الذباب من الناس فلا يملكون رده.وقد اختير الذباب بالذات وهو ضعيف حقير.وهو في الوقت ذاته يحمل أخطر الأمراض ويسلب أغلى النفائس:يسلب العيون والجوارح،وقد يسلب الحياة والأرواح ..إنه يحمل ميكروب السل والتيفود والدوسنتاريا والرمد ..ويسلب ما لا سبيل إلى استنقاذه وهو الضعيف الحقير!.

وهذه حقيقة أخرى كذلك يستخدمها الأسلوب القرآني المعجز ..ولو قال:وإن تسلبهم السباع شيئا لا يستنقذوه منها ...لأوحى ذلك بالقوة بدل الضعف.والسباع لا تسلب شيئا أعظم مما يسلبه الذباب! ولكنه الأسلوب القرآني العجيب! ويختم ذلك المثل المصور الموحي بهذا التعقيب: «ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ» .ليقرر ما ألقاه المثل من ظلال،وما أوحى به إلى المشاعر والقلوب! وفي أنسب الظروف ..والمشاعر تفيض بالزراية والاحتقار لضعف الآلهة المدعاة يندد بسوء تقديرهم للّه،ويعرض قوة اللّه الحق الحقيق بأنه إله: «ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ،إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» ..

ما قدروا اللّه حق قدره،وهم يشركون به تلك الآلهة الكليلة العاجزة التي لا تخلق ذبابا ولو تجمعت له.بل لا تستنقذ ما يسلبها الذباب إياه! ما قدروا اللّه حق قدره،وهم يرون آثار قدرته،وبدائع مخلوقاته،ثم يشركون به من لا يستطيعون خلق الذباب الحقير! ما قدروا اللّه حق قدره،وهم يستعينون بتلك الآلهة العاجزة الكليلة عن استنقاذ ما يسلبها إياه الذباب،ويدعون اللّه القوي العزيز

إنه تقرير وتقريع في أشد المواقف مناسبة للخشوع والخضوع! وهنا يذكر أن اللّه القوي العزيز يختار رسله من الملائكة إلى الأنبياء.ويختار رسله من البشر إلى الناس.وذلك عن علم وخبرة وقدرة: «اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ.إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ.وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» .

فعن صاحب القوة العزيز الجناب يصدر الاختيار للملائكة والرسل.ومن لدن القوي العزيز جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - جاء بسلطان من عند القوي العزيز الذي اختاره واصطفاه.فأنّى يقف له من يركنون إلى تلك الآلهة العاجزة الضعيفة المزدراة؟! «إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» ..فهو يسمع ويرى فيعلم «يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ» علما شاملا كاملا،لا يند عنه حاضر ولا غائب،ولا قريب ولا بعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت