فهرس الكتاب

الصفحة 3943 من 4997

الفطرة عند شكلها الظاهر،ولا يعترفون بما وراءها من مقتضيات طبيعية لها: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؟ لَيَقُولُنَّ:خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ...» ..

وواضح أن هاتين الصفتين: «الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ» ليستا من قولهم.فهم كانوا يعترفون بأن الذي خلقهن هو «اللّه» ..ولكنهم لم يكونوا يعرفون اللّه بصفاته التي جاء بها الإسلام.هذه الصفات الإيجابية التي تجعل لذات اللّه في نفوسهم أثرا فعالا في حياتهم وحياة هذا الكون.كانوا يعرفون اللّه خالقا لهذا الكون،وخالقا لهم كذلك.

ولكنهم كانوا يتخذون من دونه شركاء.لأنهم لم يعرفوه بصفاته التي تنفي فكرة الشرك،وتجعلها تبدو متهافتة سخيفة.

والقرآن هنا يعلمهم أن اللّه،الذي يعترفون بأنه خالق السماوات والأرض،هو «الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ» ..فهو القوي القادر،وهو العليم العارف.فيبدأ بهم من اعترافهم،ويخطو بهم الخطوات التالية لهذا الاعتراف.

ثم يمضي بهم خطوة أخرى في تعريف اللّه سبحانه بصفاته وفي بيان فضله عليهم بعد الخلق والإنشاء: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا،وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا،لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» ..وحقيقة جعل هذه الأرض مهدا للإنسان يدركها كل عقل في كل جيل بصورة من الصور.والذين تلقوا هذا القرآن أول مرة ربما أدركوها في رؤية هذه الأرض تحت أقدامهم ممهدة للسير،وأمامهم ممهدة للزرع،وفي عمومها ممهدة للحياة فيها والنماء.ونحن اليوم ندرك هذه الحقيقة في مساحة أعرض وفي صورة أعمق،بقدر ما وصل إليه علمنا عن طبيعة هذه الأرض وتاريخها البعيد والقريب - لو صحت نظرياتنا في هذا وتقديراتنا - والذين يأتون بعدنا سيدركون من تلك الحقيقة ما لم ندرك نحن وسيظل مدلول هذا النص يتسع ويعمق،ويتكشف عن آفاق وآماد كلما اتسعت المعرفة وتقدم العلم،وانكشفت المجاهيل لهذا الإنسان.

ونحن اليوم ندرك من حقيقة جعل الأرض مهدا لهذا الجنس يجد فيها سبله للحياة أن هذا الكوكب مر في أطوار بعد أطوار،حتى صار مهدا لبني الإنسان.وفي خلال هذه الأطوار تغير سطحه من صخر يابس صلد إلى تربة صالحة للزرع وتكوّن على سطحه الماء من اتحاد الأيدروجين والأكسوجين واتأد في دورانه حول نفسه فصار يومه بحيث يسمح باعتدال حرارته وصلاحيتها للحياة وصارت سرعته بحيث يسمح باستقرار الأشياء والأحياء على سطحه،وعدم تناثرها وتطايرها في الفضاء؟

ونعرف من هذه الحقيقة كذلك أن اللّه أودع هذا الكوكب من الخصائص خاصية الجاذبية،فاحتفظ عن طريقها بطبقة من الهواء تسمح بالحياة ولو أفلت الهواء المحيط بهذا الكوكب من جاذبيته ما أمكن أن تقوم الحياة على سطحه،كما لم تقم على سطح الكواكب الأخرى التي تضاءلت جاذبيتها،فأفلت هواؤها كالقمر مثلا! وهذه الجاذبية ذاتها قد جعلها الخالق متعادلة مع عوامل الدفع الناشئ من حركة الأرض فأمكن أن تحفظ الأشياء والأحياء من التطاير والتناثر وفي الوقت ذاته تسمح بحركة الإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت