فهرس الكتاب
والأحياء على سطح الأرض ولو زادت الجاذبية عن القدر المناسب للصقت الأشياء والأحياء بالأرض وتعذرت حركتها أو تعسرت من ناحية،ولزاد ضغط الهواء عليها من ناحية أخرى فألصقها بالأرض إلصاقا،أو سحقها كما نسحق نحن الذباب والبعوض أحيانا بضربة تركز الضغط عليها دون أن تمسها أيدينا! ولو خف هذا الضغط عما هو عليه لانفجر الصدر والشرايين انفجارا! ونعرف كذلك من حقيقة جعل الأرض مهدا وتذليل السبل فيها للحياة،أن الخالق العزيز العليم قدر فيها موافقات شتى تسمح مجتمعة بوجود هذا الإنسان وتيسير الحياة له ولو اختلت إحدى هذه الموافقات لتعذرت هذه الحياة أو تعسرت.فمنها هذه الموافقات التي ذكرنا،ومنها أنه جعل كتلة الماء الضخمة التي تكونت على سطح الأرض من المحيطات والبحار كافية لامتصاص الغازات السامة التي تنشأ من التفاعلات الكثيرة التي تتم على سطحها،والاحتفاظ بجوها دائما في حالة تسمح للأحياء بالحياة.ومنها أنه جعل من النبات أداة للموازنة بين الأكسيجين الذي يستنشقه الأحياء ليعيشوا به،والأكسجين الذي يزفره النبات في أثناء عمليات التمثيل التي يقوم بها ولولا هذه الموازنة لا ختنق الأحياء بعد فترة من الزمان.وهكذا.وهكذا.من المدلولات الكثيرة لحقيقة: «جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا» تتكشف لنا في كل يوم وتضاف إلى المدلولات التي كان يدركها المخاطبون بهذا القرآن أول مرة.وكلها تشهد بالقدرة كما تشهد بالعلم لخالق السماوات والأرض العزيز العليم.وكلها تشعر القلب البشري باليد القادرة المدبرة،في حيثما امتد بصره،وتلفت خاطره وأنه غير مخلوق سدى،وغير متروك لقى وأن هذه اليد تمسك به،وتنقل خطاه،وتتولى أمره في كل خطوة من خطواته في الحياة،وقبل الحياة،وبعد الحياة! «لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» ..فإن تدبر هذا الكون،وما فيه من نواميس متناسقة كفيل بهداية القلب إلى خالق هذا الكون،ومودعه ذلك التنظيم الدقيق العجيب ..
ثم يخطو بهم خطوة أخرى في طريق نشأة الحياة والأحياء،بعد تمهيد الأرض للإنسان وتذليل السبل فيها للحياة: «وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ،فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا،كَذلِكَ تُخْرَجُونَ» ..
والماء الذي ينزل من السماء يعرفه كل إنسان ويراه كل إنسان ولكن أكثر الناس يمرون على هذا الحدث العجيب دون يقظة ودون اهتزاز،لطول الألفة والتكرار.فأما محمد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فكان يتلقى قطراته في حب وفي ترحيب وفي حفاوة وفي استبشار لأنها قادمة إليه من عند اللّه.ذلك أن قلبه الحي كان يدرك صنع اللّه الحي في هذه القطرات،ويرى يده الصناع! وهكذا ينبغي أن يتلقاها القلب الموصول باللّه ونواميسه في هذا الوجود.فهي وليدة هذه النواميس التي تعمل في هذا الكون وعين اللّه عليها ويد اللّه فيها في كل مرة وفي كل قطرة.ولا يبرد من حرارة هذه الحقيقة،ولا ينقص من وقعها أن هذا الماء أصله البخار المتصاعد من الأرض،المتكاثف في أجواز الفضاء.فمن أنشأ هذه الأرض؟ ومن جعل فيها الماء؟ ومن سلط عليها الحرارة؟ ومن جعل من طبيعة الماء أن يتبخر بالحرارة؟ ومن أودع البخار خاصية الارتفاع وخاصية التكثف في أجواز الفضاء؟ ومن أودع الكون خصائصه