كذلك جمال عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح.جمال الاستمتاع بمنظرها فارهة رائعة صحيحة سمينة.وأهل الريف يدركون هذا المعنى بأعماق نفوسهم ومشاعرهم أكثر مما يدركه أهل المدينة.وفي الخيل والبغال والحمير تلبية للضرورة في الركوب.وتلبية لحاسة الجمال في الزينة: «لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً» .وهذه اللفتة لها قيمتها في بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة.فالجمال عنصر أصيل في هذه النظرة وليست النعمة هي مجرد تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب بل تلبية الأشواق الزائدة على الضرورات.تلبية حاسة الجمال ووجدان الفرح والشعور الإنساني المرتفع على ميل الحيوان وحاجة الحيوان.
«إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» يعقب بها على حمل الأثقال إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس توجيها إلى ما في خلق الأنعام من نعمة،وما في هذه النعمة من رحمة.
«وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ» ..يعقب بها على خلق الأنعام للأكل والحمل والجمال،وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة ..ليظل المجال مفتوحا في التصور البشري لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والنقل والركوب والزينة،فلا يغلق تصورهم خارج حدود البيئة،وخارج حدود الزمان الذي يظلهم.فوراء الموجود في كل مكان وزمان صور أخرى،يريد اللّه للناس أن يتوقعوها فيتسع تصورهم وإدراكهم،ويريد لهم أن يأنسوا بها حين توجد أو حين تكشف فلا يعادوها ولا يجمدوا دون استخدامها والانتفاع بها.ولا يقولوا:إنما استخدم آباؤنا الأنعام والخيل والبغال والحمير فلا نستخدم سواها.وإنما نص القرآن على هذه الأصناف فلا نستخدم ما عداها!.
إن الإسلام عقيدة مفتوحة مرنة قابلة لاستقبال طاقات الحياة كلها،ومقدرات الحياة كلها ومن ثم يهيّئ القرآن الأذهان والقلوب لاستقبال كل ما تتمخض عنه القدرة،ويتمخض عنه العلم،ويتمخض عنه المستقبل.استقباله بالوجدان الديني المتفتح المستعد لتلقي كل جديد في عجائب الخلق والعلم والحياة.ولقد جدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة لم يكن يعلمها أهل ذلك الزمان.وستجد وسائل والجمهور يحلها استنادا إلى أحاديث صحيحة وإلى السنة العملية.و أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان.والقرآن يهيّئ لها القلوب والأذهان،بلا جمود ولا تحجر «وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ» ..
وفي معرض النقل والحمل والركوب والسير لبلوغ غايات محسوسة في عالم الأرض،يدخل السياق غايات معنوية وسيرا معنويا وطرقا معنوية.فثمة الطريق إلى اللّه.وهو طريق قاصد مستقيم لا يلتوي ولا يتجاوز الغاية.وثمة طرق أخرى لا توصل ولا تهدي.فأما الطريق إلى اللّه فقد كتب على نفسه كشفها وبيانها:بآياته في الكون وبرسله إلى الناس: «وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ.وَمِنْها جائِرٌ.وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» ..والسبيل القاصد هو الطريق المستقيم الذي لا يلتوي كأنه يقصد قصدا إلى غايته فلا يحيد عنها.والسبيل الجائر هو السبيل المنحرف المجاوز للغاية لا يوصل إليها،أو لا يقف عندها! «وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» ..ولكنه شاء أن يخلق الإنسان مستعدا للهدى والضلال،وأن يدع