فهرس الكتاب

الصفحة 2789 من 4997

والقلوب،خيرا من خطابها بالعذاب! والتي تليق بالإنسان الذي أكرمه اللّه بالعقل والشعور،وحرية الإرادة والتفكير.

وجاء مطلع السورة حاسما جازما: «أَتى أَمْرُ اللَّهِ» ..يوحي بصدور الأمر وتوجه الإرادة وهذا يكفي لتحققه في الموعد الذي قدره اللّه لوقوعه «فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» فإن سنة اللّه تمضي وفق مشيئته،لا يقدمها استعجال.ولا يؤخرها رجاء.فأمر اللّه بالعذاب أو بالساعة قد قضي وانتهى،أما وقوعه ونفاذه فسيكون في حينه المقدر،لا يستقدم ساعة ولا يتأخر.

وهذه الصيغة الحاسمة الجازمة ذات وقع في النفس مهما تتماسك أو تكابر،وذلك فوق مطابقتها لحقيقة الواقع فأمر اللّه لا بد واقع،ومجرد قضائه يعد في حكم نفاذه،ويتحقق به وجوده،فلا مبالغة في الصيغة ولا مجانبة للحقيقة،في الوقت الذي تؤدي غايتها من التأثر العميق في الشعور.

فأما ما هم عليه من شرك باللّه الواحد،وتصورات مستمدة من هذا الشرك فقد تنزه اللّه عنه وتعالى: «سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» بكل صوره وأشكاله،الناشئة عن هبوط في التصور والتفكير.

أتى أمر اللّه المنزه عن الشرك المتعالي عما يشركون.اللّه الذي لا يدع الناس إلى ضلالهم وأوهامهم إنما هو ينزل عليهم من السماء ما يحييهم وينجيهم: «يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» ..وهذا أولى نعمه وكبراها.فهو لا ينزل من السماء ماء يحيي الأرض والأجسام وحدها - كما سيجيء- إنما ينزل الملائكة بالروح من أمره.وللتعبير بالروح ظله ومعناه.فهو حياة ومبعث حياة:حياة في النفوس والضمائر والعقول والمشاعر.وحياة في المجتمع تحفظه من الفساد والتحلل والانهيار.وهو أول ما ينزله اللّه من السماء للناس،وأول النعم التي يمن اللّه بها على العباد.تنزل به الملائكة أطهر خلق اللّه على المختارين من عباده - الأنبياء - خلاصته وفحواه: «أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ.»

إنها الوحدانية في الألوهية.روح العقيدة.وحياة النفس.ومفرق الطريق بين الاتجاه المحيي والاتجاه المدمر.فالنفس التي لا توحد المعبود نفس حائرة هالكة تتجاذبها السبل وتخايل لها الأوهام وتمزقها التصورات المتناقضة،وتناوشها الوساوس،فلا تنطلق مجتمعة لهدف من الأهداف! والتعبير بالروح يشمل هذه المعاني كلها ويشير إليها في مطلع السورة المشتملة على شتى النعم،فيصدر بها نعمه جميعا وهي النعمة الكبرى التي لا قيمة لغيرها بدونها ولا تحسن النفس البشرية الانتفاع بنعم الأرض كلها إن لم توهب نعمة العقيدة التي تحييها.

ويفرد الإنذار،فيجعله فحوى الوحي والرسالة،لأن معظم سياق السورة يدور حول المكذبين والمشركين والجاحدين لنعمة اللّه،والمحرمين ما أحله اللّه،والناقضين لعهد اللّه،والمرتدين عن الإيمان ومن ثم يكون إظهار الإنذار أليق في هذا السياق.وتكون الدعوة إلى التقوى والحذر والخوف أولى في هذا المقام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت