فهرس الكتاب

الصفحة 2592 من 4997

نفوسهم،فتمتلىء نفوسهم بالحقد،فيدبروا له أمرا يسوؤه: «قالَ:يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا» ..ثم علّل هذا بقوله: «إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ» ..

ومن ثم فهو يوغر صدور الناس بعضهم على بعض،ويزين لهم الخطيئة والشر.

ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم،وقد أحسن من رؤيا ابنه يوسف أن سيكون له شأن،يتجه خاطره إلى أن هذا الشأن في وادي الدين والصلاح والمعرفة بحكم جو النبوة الذي يعيش فيه،وما يعلمه من أن جده إبراهيم مبارك من اللّه هو وأهل بيته المؤمنون.فتوقع أن يكون يوسف هو الذي يختار من أبنائه من نسل إبراهيم لتحل عليه البركة وتتمثل فيه السلسلة المباركة في بيت إبراهيم.فقال له:

«وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ،وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ،وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ،كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ،إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ..

واتجاه فكر يعقوب إلى أن رؤيا يوسف تشير إلى اختيار اللّه له،وإتمام نعمته عليه وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويه من قبل إبراهيم وإسحاق (والجد يقال له أب) ..هذا طبيعي.ولكن الذي يستوقف النظر قوله: «وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» ..

والتأويل هو معرفة المآل.فما الأحاديث؟.أقصد يعقوب أن اللّه سيختار يوسف ويعلمه ويهبه من صدق الحس ونفاذ البصيرة ما يدرك به من الأحاديث مآلها الذي تنتهي إليه،منذ أوائلها.وهو إلهام من اللّه لذوي البصائر المدركة النافذة،وجاء التعقيب: «إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ..

مناسبا لهذا في جو الحكمة والتعليم؟ أم قصد بالأحاديث الرؤى والأحلام كما وقع بالفعل في حياة يوسف فيما بعد؟

كلاهما جائز،وكلاهما يتمشى مع الجو المحيط بيوسف ويعقوب.

وبهذه المناسبة نذكر كلمة عن الرؤى والأحلام وهي موضوع هذه القصة وهذه السورة.

إننا ملزمون بالاعتقاد بأن بعض الرؤى تحمل نبوءات عن المستقبل القريب أو البعيد.ملزمون بهذا أولا من ناحية ما ورد في هذه السورة من وقوع مصداق رؤيا يوسف،ورؤيا صاحبيه في السجن،ورؤيا الملك في مصر.وثانيا من ناحية ما نراه في حياتنا الشخصية من تحقق رؤى تنبؤية في حالات متكررة بشكل يصعب نفي وجوده ..لأنه موجود بالفعل! [1] ..

والسبب الأول يكفي ..ولكننا ذكرنا السبب الثاني لأنه حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها إلا بتعنت ..

فما هي طبيعة الرؤيا؟

تقول مدرسة التحليل النفسي:إنها صور من الرغبات المكبوتة تتنفس بها الأحلام في غياب الوعي.

(1) - راجع كتابي الخلاصة في شرح حديث الولي - الخلاصة في أحكام الرؤيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت