فهرس الكتاب

الصفحة 2918 من 4997

للرسول - صلى الله عليه وسلم -: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ.إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ.أَسَفًا» ! أي فلعلك قاتل نفسك أسفا وحزنا عليهم،إن لم يؤمنوا بهذا القرآن.وما يستحق هؤلاء أن تحزن عليهم وتأسف.فدعهم فقد جعلنا ما على الأرض من زخرف ومتاع،وأموال وأولاد ..جعلناه اختبارا وامتحانا لأهلها،ليتبين من يحسن منهم العمل في الدنيا،ويستحق نعمتها،كما يستحق نعيم الآخرة: «إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» .واللّه يعلم.ولكنه يجزي على ما يصدر من العباد فعلا،وما يتحقق منهم في الحياة عملا.ويسكت عمن لا يحسنون العمل فلا يذكرهم لأن مفهوم التعبير واضح.ونهاية هذه الزينة محتومة.فستعود الأرض مجردة منها،وسيهلك كل ما عليها،فتصبح قبل يوم القيامة سطحا أجرد خشنا جدبا: «وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا» ..

وفي التعبير صرامة،وفي المشهد الذي يرسمه كذلك.وكلمة «جُرُزًا» تصور معنى الجدب بجرسها اللفظي.كما أن كلمة «صَعِيدًا» ترسم مشهد الاستواء والصلادة! ثم تجيء قصة أصحاب الكهف،فتعرض نموذجا للإيمان في النفوس المؤمنة.كيف تطمئن به،وتؤثره على زينة الأرض ومتاعها،وتلجأ به إلى الكهف حين يعز عليها أن تعيش به مع الناس.وكيف يرعى اللّه هذه النفوس المؤمنة،ويقيها الفتنة،ويشملها بالرحمة.وفي القصة روايات شتى،وأقاويل كثيرة.فقد وردت في بعض الكتب القديمة وفي الأساطير بصور شتى.

ونحن نقف فيها عند حد ما جاء في القرآن،فهو المصدر الوحيد المستيقن.ونطرح سائر الروايات والأساطير التي اندست في التفاسير بلا سند صحيح.وبخاصة أن القرآن الكريم قد نهى عن استفتاء غير القرآن فيها،وعن المراء فيها والجدل رجما بالغيب.

وقد ورد في سبب نزولها ونزول قصة ذي القرنين أن اليهود أغروا أهل مكة بسؤال الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنهما وعن الروح.أو أن أهل مكة طلبوا إلى اليهود أن يصوغوا لهم أسئلة يختبرون بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد يكون هذا كله أو بعضه صحيحا [1] .فقد جاء في أول قصة ذي القرنين: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ.قُلْ:سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا» ولكن لم تجىء عن قصة أصحاب الكهف مثل هذه الإشارة.فنحن نمضي في القصة لذاتها وهي واضحة الارتباط بمحور السورة كما بينا.

إن الطريقة التي اتبعت في عرض هذه القصة من الناحية الفنية هي طريقة التلخيص الإجمالي أولا،ثم العرض التفصيلي أخيرا.وهي تعرض في مشاهد وتترك بين المشاهد فجوات يعرف ما فيها من السياق [2] .وهي تبدأ هكذا: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا.إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ،فَقالُوا:رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً،وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا.فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا،ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا» .

(1) - الدر المنثور- ط دار هجر مصر [9 /480] و [9 /514] و [9 /630] من طرق وغالبها مرسل وضعيف

(2) - يرجع فصل «القصة في القرآن» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» . (السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت