فهرس الكتاب

الصفحة 2919 من 4997

وهو تلخيص يجمل القصة،ويرسم خطوطها الرئيسية العريضة.فنعرف أن أصحاب الكهف فتية - لا نعلم عددهم - آووا إلى الكهف وهم مؤمنون.وأنه ضرب على آذانهم في الكهف - أي ناموا - سنين معدودة - لا نعلم عددها - وأنهم بعثوا من رقدتهم الطويلة.وأنه كان هناك فريقان يتجادلان في شأنهم ثم لبثوا في الكهف فبعثوا ليتبين أي الفريقين أدق إحصاء.وأن قصتهم على غرابتها ليست بأعجب آيات اللّه.وفي صفحات هذا الكون من العجائب وفي ثناياه من الغرائب ما يفوق قصة أصحاب الكهف والرقيم [1] .

وبعد هذا التلخيص المشوق للقصة يأخذ السياق في التفصيل.ويبدأ هذا التفصيل بأن ما سيقصه اللّه منها هو فصل الخطاب في الروايات المتضاربة،وهو الحق اليقين: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ.إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً.وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا:رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا.لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا.هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً.لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ.فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا؟ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ - إِلَّا اللَّهَ - فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ،يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ،وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا» .

هذا هو المشهد الأول من مشاهد القصة. «إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ» .. «وَزِدْناهُمْ هُدىً» بإلهامهم كيف يدبرون أمرهم. «وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ» فإذا هي ثابتة راسخة،مطمئنة إلى الحق الذي عرفت.معتزة بالإيمان الذي اختارت «إِذْ قامُوا» ..والقيام حركة تدل على العزم والثبات. «فَقالُوا:رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ..فهو رب هذا الكون كله «لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا» ..فهو واحد بلا شريك. «لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا» ..وتجاوزنا الحق وحدنا عن الصواب.

ثم يلتفتون إلى ما عليه قومهم فيستنكرونه،ويستنكرون المنهج الذي يسلكونه في تكوين العقيدة: «هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً.لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ؟» ..فهذا هو طريق الاعتقاد:أن يكون للإنسان دليل قوي يستند إليه،وبرهان له سلطان على النفوس والعقول.وإلا فهو الكذب الشنيع،لأنه الكذب على اللّه: «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا؟» ..

وإلى هنا يبدو موقف الفتية واضحا صريحا حاسما،لا تردد فيه ولا تلعثم ..إنهم فتية،أشداء في أجسامهم،أشداء في إيمانهم.أشداء في استنكار ما عليه قومهم ..

ولقد تبين الطريقان،واختلف المنهجان،فلا سبيل إلى الالتقاء،ولا للمشاركة في الحياة.ولا بد من الفرار بالعقيدة.إنهم ليسوا رسلا إلى قومهم فيواجهوهم بالعقيدة الصحيحة ويدعوهم إليها،ويتلقوا ما يتلقاه الرسل.إنما هم فتية تبين لهم الهدى في وسط ظالم كافر،ولا حياة لهم في هذا الوسط إن هم أعلنوا عقيدتهم وجاهروا بها،وهم لا يطيقون كذلك أن يداروا القوم ويداروهم،ويعبدوا ما يعبدون من الآلهة

(1) - الكهف:الفجوة في الصخر. والرقيم - في الغالب - هو الكتاب الذي يحمل أسماءهم وربما كان هو الذي وضع على باب الكهف الذي عثر عليهم فيه. (السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت