فهرس الكتاب
على سبيل التقية ويخفوا عبادتهم للّه.والأرجح أن أمرهم قد كشف.فلا سبيل لهم إلا أن يفروا بدينهم إلى اللّه،وأن يختاروا الكهف على زينة الحياة.وقد أجمعوا أمرهم فهم يتناجون بينهم: « وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ - إِلَّا اللَّهَ - فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ،وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا» ..
وهنا ينكشف العجب في شأن القلوب المؤمنة.فهؤلاء الفتية الذين يعتزلون قومهم،ويهجرون ديارهم،ويفارقون أهلهم.ويتجردون من زينة الأرض ومتاع الحياة.هؤلاء الذين يأوون إلى الكهف الضيق الخشن المظلم.هؤلاء يستروحون رحمة اللّه.ويحسون هذه الرحمة ظليلة فسيحة ممتدة. «يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ» ولفظة «يَنْشُرْ» تلقي ظلال السعة والبحبوحة والانفساح.فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب وسيع تنتشر فيه الرحمة وتتسع خيوطها وتمتد ظلالها،وتشملهم بالرفق واللين والرخاء ..إن الحدود الضيقة لتنزاح،وإن الجدران الصلدة لترق،وإن الوحشة الموغلة لتشف،فإذا الرحمة والرفق والراحة والارتفاق.إنه الإيمان ..
وما قيمة الظواهر؟ وما قيمة القيم والأوضاع والمدلولات التي تعارف عليها الناس في حياتهم الأرضية؟
إن هنالك عالما آخر في جنبات القلب المغمور بالإيمان،المأنوس بالرحمن.عالما تظلله الرحمة والرفق والاطمئنان والرضوان.
ويسدل الستار على هذا المشهد.ليرفع على مشهد آخر والفتية في الكهف وقد ضرب اللّه عليهم النعاس.
«وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ،وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ،وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ.ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ.مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ.وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا.وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ.وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ.وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ.لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا،وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا» .
وهو مشهد تصويري عجيب،ينقل بالكلمات هيئة الفتية في الكهف،كما يلتقطها شريط متحرك.والشمس تطلع على الكهف فتميل عنه كأنها متعمدة.ولفظ «تَتَزاوَرُ» تصور مدلولها وتلقي ظل الإرادة في عملها.والشمس تغرب فتجاوزهم إلى الشمال وهم في فجوة منه ..
وقبل أن يكمل نقل المشهد العجيب يعلق على وضعهم ذاك بأحد التعليقات القرآنية التي تتخلل سياق القصص لتوجيه القلوب في اللحظة المناسبة [1] : «ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ» ..وضعهم هكذا في الكهف والشمس لا تنالهم بأشعتها وتقرب منهم بضوئها.وهم في مكانهم لا يموتون ولا يتحركون.
(1) - فصل القصة في القرآن. في كتاب «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» . (السيد رحمه الله )