ولقد علم اللّه أن أمة من الأمم لا تملك أن تقود البشرية وتشهد عليها - كما هي وظيفة الأمة المسلمة - إلا أن تكون عقيدة الآخرة واضحة لها راسخة في ضميرها .. فتصور الحياة على أنها هذه الفترة المحدودة بحدود هذه الحياة الدنيا،وحدود هذه الأرض الصغيرة،لا يمكن أن ينشىء أمة هذه صفتها وهذه وظيفتها! إن العقيدة في الآخرة فسحة في التصور،وسعة في النفس،وامتداد في الحياة ضروري في تكوين النفس البشرية ذاتها،لتصلح أن تناط بها تلك الوظيفة الكبيرة .. كذلك هي ضرورية لضبط النفس عن شهواتها الصغيرة ومطامعها المحدودة،ولفسحة مجال الحركة حتى لا تيئسها النتائج القريبة ولا تقعدها التضحيات الأليمة،عن المضي في التبشير بالخير،وفعل الخير والقيادة إلى الخير،على الرغم من النتائج القريبة،والتضحيات الأليمة .. وهي صفات ومشاعر ضرورية كذلك للنهوض بتلك الوظيفة الكبيرة ..
والاعتقاد في الآخرة مفرق طريق بين فسحة الرؤية والتصور في نفس «الإنسان» ،وضيق الرؤية واحتباسها في حدود الحس في إدراك «الحيوان» !
وما يصلح إدراك الحيوان لقيادة البشرية،والقيام بأمانة اللّه في الخلافة الراشدة! لذلك كله كان التوكيد شديدا على عقيدة الآخرة في دين اللّه كله .. ثم بلغت صورة الآخرة في هذا الدين الأخير غايتها من السعة والعمق والوضوح ... حتى بات عالم الآخرة في حس الأمة المسلمة أثبت وأوضح وأعمق من عالم الدنيا الذي يعيشونه فعلا .. وبهذا صلحت هذه الأمة لقيادة البشرية،تلك القيادة الراشدة التي وعاها التاريخ الإنساني [1] !
ونحن في هذا الموضع من سياق سورة الأعراف أمام صورة من صور الاستغراب والاستنكار الذي يواجه به المشركون عقيدة الآخرة،تبدو في سؤالهم عن الساعة سؤال الساخر المستنكر المستهتر:
«يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها؟» إن الساعة غيب،من الغيب الذي استأثر اللّه بعلمه،فلم يطلع عليه أحدا من خلقه .. ولكن المشركين يسألون الرسول عنها .. إما سؤال المختبر الممتحن! وإما سؤال المتعجب المستغرب! وإما سؤال المستهين المستهتر! «أيان مرساها؟» .. أي متى موعدها الذي إليه تستقر وترسو؟! والرسول - صلى الله عليه وسلم - بشر لا يدعي علم الغيب،مأمور أن يكل الغيب إلى صاحبه،وأن يعلمهم أنها من خصائص الألوهية،وأنه هو بشر لا يدعي شيئا خارج بشريته ولا يتعدى حدودها،إنما يعلمه ربه ويوحي إليه ما يشاء: «قُلْ:إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي،لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ» .فهو - سبحانه - مختص بعلمها،وهو لا يكشف عنها إلا في حينها،ولا يكشف غيره عنها.
ثم يلفتهم عن السؤال هكذا عن موعدها،إلى الاهتمام بطبيعتها وحقيقتها،وإلى الشعور بهولها وضخامتها ...ألا وإن أمرها لعظيم،ألا وإن عبثها لثقيل. ألا وإنها لتثقل في السماوات والأرضين.
(1) - يراجع ما جاء في الجزء السابع من هذه الظلال ص 1068 - 1073 كما يراجع كتاب: «مشاهد القيامة في القرآن» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )