فهرس الكتاب

الصفحة 1873 من 4997

وهي - بعد ذلك - لا تأتي إلا بغتة والغافلون عنها غافلون: «ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً» ..فأولى أن ينصرف الاهتمام للتهيؤ لها والاستعداد قبل أن تأتي بغتة فلا ينفع معها الحذر،ولا تجدي عندها الحيطة،ما لم يأخذوا حذرهم قبلها،وما لم يستعدوا لها،وفي الوقت متسع وفي العمر بقية. وما يدري أحد متى تجيء،فأولى أن يبادر اللحظة ويسارع،وألا يضيع بعد ساعة،قد تفجؤه بعدها الساعة! ثم يعجب من أمر هؤلاء الذين يسألون الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الساعة .. إنهم لا يدركون طبيعة الرسالة وحقيقة الرسول ولا يعرفون حقيقة الألوهية،وأدب الرسول في جانب ربه العظيم.

«يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها!» أي كأنك دائم السؤال عنها! مكلف أن تكشف عن موعدها! ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لا يسأل ربه علم ما يعلم هو أنه مختص بعلمه: «قُلْ:إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ» ..قد اختص سبحانه به ولم يطلع عليه أحدا من خلقه. «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ..وليس الأمر أمر الساعة وحده. إنما هو أمر الغيب كله فلله وحده علم هذا الغيب. لا يطلع على شيء منه إلا من شاء،بالقدر الذي يشاء،في الوقت الذي يشاء .. لذلك لا يملك العباد لأنفسهم نفعا ولا ضرا ..فقد يفعلون الأمر يريدون به جلب الخير لأنفسهم،ولكن عاقبته تكون هي الضر لهم. وقد يفعلون الأمر يريدون به رفع الضر عنهم،ولكن عاقبته المغيبة تجره عليهم! وقد يفعلون الأمر يكرهونه فإذا عاقبته هي الخير ويفعلون الأمر يحبونه فإذا عاقبته هي الضر: «وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ،وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ» ..

والشاعر الذي يقول [1] :

ألا من يريني غايتي قبل مذهبي! ومن أين والغايات بعد المذاهب

إنما يمثل موقف البشرية أمام الغيب المجهول. ومهما يعلم الإنسان ومهما يتعلم،فإن موقفه أمام باب الغيب الموصد،وأمام ستر الغيب المسدل،سيظل يذكره ببشريته المحجوبة أمام عالم الغيب المحجوب [2]

والرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو من هو وقربه من ربه هو قربه،مأمور أن يعلن للناس أنه أمام غيب اللّه بشر من البشر،لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا،لأنه لا يطلع على الغيب،ولا يعرف الغايات قبل المذاهب،ولا يرى مآل أفعاله ومن ثم لا يملك أن يختار عاقبة فعله بحيث إن رأى العاقبة المغيبة خيرا أقدم،وإن رآها سوءا أحجم. إنما هو يعمل،والعاقبة تجيء كما قدر اللّه في غيبه المكنون: «قُلْ:لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا - إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ - وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ» ..

وبهذا الإعلان تتم لعقيدة التوحيد الإسلامية كل خصائص التجريد المطلق،من الشرك في أية صورة من صوره. وتتفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها البشر في شيء منها. ولو كان هذا البشر محمدا

(1) - من قصيدة لابن الرومي. ( السيد رحمه الله )

(2) - يراجع ما جاء في الجزء السابع عند تفسير قوله تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ» ص 1113 - 1121 ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت