رسول اللّه وحبيبه ومصطفاه - عليه صلوات اللّه وسلامه - فعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية،ويقف العلم البشري.وعند حدود البشرية يقف شخص رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وتتحدد وظيفته [1] : «إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» ..
والرسول - صلى الله عليه وسلم - نذير وبشير للناس أجمعين. ولكن الذين «يؤمنون» هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به.
ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها،كما أنهم هم الذين يخلص بهم الرسول من الناس أجمعين ..
إن الكلمة لا تعطي مدلولها الحقيقي إلا للقلب المفتوح لها،والعقل الذي يستشرفها ويتقبلها،وإن هذا القرآن لا يفتح كنوزه،ولا يكشف أسراره،ولا يعطي ثماره،إلا لقوم يؤمنون. ولقد ورد فعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ ،قَالَ:سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ،يَقُولُ:"لَقَدْ لَبِثْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرٍ ،وَأَحَدُنَا لِيُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ تَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَنَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا ،وَأَمْرَهَا وَزَاجِرَهَا ،وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهَا كَمَا يَتَعَلَّمُ أَحَدُكُمُ السُّورَةَ ،وَلَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ قَبْلَ الْإِيمَانِ يَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ ،مَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ وَلَا حَرَامَهُ ،وَلَا أَمْرَهُ وَلَا زَاجِرَهُ ،وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهُ وَيَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ" [2] .
وهذا الإيمان هو الذي كان يجعلهم يتذوقون القرآن ذلك التذوق،ويدركون معانيه وأهدافه ذلك الإدراك،ويصنعون به تلك الخوارق التي صنعوها في أقصر وقت من الزمان.
لقد كان ذلك الجيل المتفرد يجد من حلاوة القرآن،ومن نوره،ومن فرقانه،ما لا يجده إلا الذين يؤمنون إيمان ذلك الجيل. ولئن كان القرآن هو الذي أخذ بأرواحهم إلى الإيمان،لقد كان الإيمان هو الذي فتح لهم في القرآن ما لا يفتحه إلا الإيمان! لقد عاشوا بهذا القرآن،وعاشوا له كذلك .. ومن ثم كانوا ذلك الجيل المتفرد الذي لم يتكرر - بهذه الكثرة وبهذا التوافي على ذلك المستوي - في التاريخ كله .. اللهم إلا في صورة أفراد على مدار التاريخ يسيرون على أقدام ذلك الجيل السامق العجيب! لقد خلصوا لهذا القرآن فترة طويلة من الزمان،فلم تشب نبعه الرائق شائبة من قول البشر،اللهم إلا قول رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهديه .. وقد كان من نبع القرآن ذاته كذلك .. ومن ثم كان ذلك الجيل المتفرد ما كان.
(1) - يراجع ما جاء في الجزء السابع عن طبيعة الرسالة وحقيقة الرسول ص 1093 - ( السيد رحمه الله ) 1099
(2) - الإيمان لابن منده [1 /254] (207 ) وقال:هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى رَسْمِ مُسْلِمٍ وَالْجَمَاعَةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ
البرهة:الزمان الطويل =النثر:التساقط والتفرق =الدقل:الرديء اليابس من التمر والمراد أن القارئ يرمي بكلمات القرآن من غير رؤية وتأمل كما يتساقط الدقل من العذق إذا هُزَّ .