فهرس الكتاب

الصفحة 3504 من 4997

النصيب الأوفر وتجود به في انعطاف أشد وأعمق وأحنى وأرفق ..عن سَعِيدَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ:سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ،أَنَّهُ شَهِدَ ابْنَ عُمَرَ وَرَجُلٌ يَمَانِيٌّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ،حَمَلَ أُمَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ،يَقُولُ:

إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلُ إِنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُهَا لَمْ أُذْعَرِ .

ثُمَّ قَالَ:يَا ابْنَ عُمَرَ أَتُرَانِي جَزَيْتُهَا ؟ قَالَ:لَا،وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ [1] .

هكذا ..ولا بزفرة ..في حمل أو في وضع،وهي تحمله وهنا على وهن.وفي ظلال تلك الصورة الحانية يوجه إلى شكر اللّه المنعم الأول،وشكر الوالدين المنعمين التاليين ويرتب الواجبات،فيجيء شكر اللّه أولا ويتلوه شكر الوالدين .. «أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ» ..ويربط بهذه الحقيقة حقيقة الآخرة: «إِلَيَّ الْمَصِيرُ» حيث ينفع رصيد الشكر المذخور.

ولكن رابطة الوالدين بالوليد - على كل هذا الانعطاف وكل هذه الكرامة - إنما تأتي في ترتيبها بعد وشيجة العقيدة.فبقية الوصية للإنسان في علاقته بوالديه: «وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما» ..فإلى هنا ويسقط واجب الطاعة،وتعلو وشيجة العقيدة على كل وشيجة.فمهما بذل الوالدان من جهد ومن جهاد ومن مغالبة ومن اقناع ليغرياه بأن يشرك باللّه ما يجهل ألوهيته - وكل ما عدا اللّه لا ألوهية له فتعلم! - فهو مأمور بعدم الطاعة من اللّه صاحب الحق الأول في الطاعة.

ولكن الاختلاف في العقيدة،والأمر بعدم الطاعة في خلافها،لا يسقط حق الوالدين في المعاملة الطيبة والصحبة الكريمة: «وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا» فهي رحلة قصيرة على الأرض لا تؤثر في الحقيقة الأصيلة: «وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ» من المؤمنين «ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ» بعد رحلة الأرض المحدودة «فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ولكل جزاء ما عمل من كفران أو شكران،ومن شرك أو توحيد.

روي أن هذه الآية نزلت هي وآية العنكبوت المشابهة وآية الأحقاف كذلك في سعد بن أبي وقاص وأمه (كما قلت في تفسيرها في الجزء العشرين في سورة العنكبوت) .وروي أنها نزلت في سعد بن مالك [2] .

ورواه الطبراني في كتاب العشرة - بإسناده - عن داود بن أبي هند.والقصة في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص [3] .وهو الأرجح.أما مدلولها فهو عام في كل حال مماثلة،وهو يرتب الوشائج والروابط كما يرتب الواجبات والتكاليف.فتجيء الرابطة في اللّه هي الوشيجة الأولى،ويجيء التكليف بحق اللّه هو الواجب الأول.والقرآن الكريم يقرر هذه القاعدة ويؤكدها في كل مناسبة وفي صور شتى لتستقر في وجدان المؤمن واضحة حاسمة لا شبهة فيها ولا غموض.

(1) -الْأَدَبُ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ ( 11 ) صحيح

(2) -قلت:سعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص ( السيد رحمه الله )

(3) -صحيح مسلم- المكنز [16 /38] (6391 ) وقد مر سابقا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت