جَمِيعًا،إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ.وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ،وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ،لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ.إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي،وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» ..
وفي مطلع هذه الآيات نجد تعبيرا مصورا لحالة النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ» ..وهو يشي بتلك الرغبة القوية في أن يوجهه ربه إلى قبلة غير القبلة التي كان عليها.بعد ما كثر لجاج اليهود وحجاجهم ووجدوا في اتجاه الجماعة المسلمة لقبلتهم وسيلة للتمويه والتضليل والبلبلة والتلبيس ..فكان - صلى الله عليه وسلم - يقلب وجهه في السماء،ولا يصرح بدعاء،تأدبا مع ربه،وتحرجا أن يقترح عليه شيئا،أو أن يقدم بين يديه شيئا.ولقد أجابه ربه إلى ما يرضيه.والتعبير عن هذه الاستجابة يشي بتلك الصلة الرحيمة الحانية الودود: «فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها» ..
ثم يعين له هذه القبلة التي علم - سبحانه - أنه يرضاها: «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» ..
قبلة له ولأمته.من معه منها ومن يأتي من بعده إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها: «وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» ..من كل اتجاه،في أنحاء الأرض جميعا ..قبلة واحدة تجمع هذه الأمة وتوحد بينها على اختلاف مواطنها،واختلاف مواقعها من هذه القبلة،واختلاف أجناسها وألسنتها وألوانها ..قبلة واحدة،تتجه إليها الأمة الواحدة في مشارق الأرض ومغاربها.فتحس أنها جسم واحد،وكيان واحد،تتجه إلى هدف واحد،وتسعى لتحقيق منهج واحد.منهج ينبثق من كونها جميعا تعبد إلها واحدا،وتؤمن برسول واحد،وتتجه إلى قبلة واحدة.
وهكذا وحد اللّه هذه الأمة.وحدها في إلهها ورسولها ودينها وقبلتها.وحدها على اختلاف المواطن والأجناس والألوان واللغات.ولم يجعل وحدتها تقوم على قاعدة من هذه القواعد كلها ولكن تقوم على عقيدتها وقبلتها ولو تفرقت في مواطنها وأجناسها وألوانها ولغاتها ..إنها الوحدة التي تليق ببني الإنسان فالإنسان يجتمع على عقيدة القلب،وقبلة العبادة،إذا تجمع الحيوان على المرعى والكلا والسياج والحظيرة! ثم ..ما شأن أهل الكتاب وهذه القبلة الجديدة؟
« وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» ..إنهم ليعلمون أن المسجد الحرام هو بيت اللّه الأول الذي رفع قواعده إبراهيم.جد هذه الأمة الوارثة وجد المسلمين أجمعين.وإنهم ليعلمون أن الأمر بالتوجه إليه حق من عند اللّه لا مرية فيه ..
ولكنهم مع هذا سيفعلون غير ما يوحيه هذا العلم الذي يعلمونه.فلا على المسلمين منهم فاللّه هو الوكيل الكفيل برد مكرهم وكيدهم: «وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» ..إنهم لن يقتنعوا بدليل،لأن الذي ينقصهم ليس هو الدليل إنما هو الإخلاص والتجرد من الهوى،والاستعداد للتسليم بالحق حين يعلمونه: «وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ» ..