فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 4997

وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء.

«أُمَّةً وَسَطًا» ..في الزمان ..تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها.

وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى وتزاوج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات،ورصيدها العقلي المستمر في النماء وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك.

وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه اللّه لها،إلا أنها تخلت عن منهج اللّه الذي اختاره لها،واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها اللّه لها،واصطبغت بصيغات شتى ليست صبغة اللّه واحدة منها! واللّه يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها.

وأمة تلك وظيفتها،وذلك دورها،خليقة بأن تحتمل التبعة وتبذل التضحية،فللقيادة تكاليفها،وللقوامة تبعاتها،ولا بد أن تفتن قبل ذلك وتبتلى،ليتأكد خلوصها للّه وتجردها،واستعدادها للطاعة المطلقة للقيادة الراشدة.

وإذن يكشف لهم عن حكمة اختيار القبلة التي كانوا عليها،بمناسبة تحويلهم الآن عنها: «وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ» ..

ومن هذا النص تتضح خطة التربية الربانية التي يأخذ اللّه بها هذه الجماعة الناشئة،التي يريد لها أن تكون الوارثة للعقيدة،المستخلفة في الأرض تحت راية العقيدة.إنه يريد لها أن تخلص له وأن تتخلص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها وأن تتجرد من كل سماتها القديمة ومن كل رغابها الدفينة وأن تتعرى من كل رداء لبسته في الجاهلية،ومن كل شعار اتخذته،وأن ينفرد في حسها شعار الإسلام وحده لا يتلبس به شعار آخر،وأن يتوحد المصدر الذي تتلقى منه لا يشاركه مصدر آخر.

ولما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة وشابت عقيدة جدهم إبراهيم شوائب من الشرك،ومن عصبية الجنس،إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدس ..واللّه يريده أن يكون بيت اللّه المقدس،لا يضاف إليه شعار آخر غير شعاره،ولا يتلبس بسمة أخرى غير سمته.

لما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به هذه السمة الأخرى،فقد صرف اللّه المسلمين عنه فترة،ووجههم إلى بيت المقدس،ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبس القديم أولا ثم ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - ثانيا،ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول اللّه،والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة،فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت