المطلق،بمضي الوقت. أما الشمس المستعرة،والنجوم المتوهجة،والأرض الغنية بأنواع الحياة،فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أو أساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة،فهو إذن حدث من الأحداث .. ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي،ليس له بداية،عليم محيط بكل شيء،قوي ليس لقدرته حدود،ولا بد أن يكون هذا الكون من صنع يديه».
اللّه - سبحانه - خالق كل شيء. لا إله إلا هو ..
هذه هي القاعدة التي يقيم عليها السياق القرآني هنا وجوب عبادة اللّه وحده. ووجوب ربوبيته وحده - بكل مدلولات الربوبية من الحكم والتربية والتوجيه والقوامة: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ:خالِقُ كُلِّ شَيء. فَاعْبُدُوهُ. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» .. فهي القوامة لا على البشر وحدهم،ولكن على كل شيء كذلك. بما أنه هو خالق كل شيء ... وهذا هو المقصود من تقرير تلك القاعدة،التي لم يكن المشركون - في جاهليتهم - يجحدونها. ولكنهم ما كانوا يسلمون بمقتضاها. وهو:الخضوع والطاعة لحاكمية اللّه وحده والدينونة لسلطانه بلا شريك ..
ثم تعبير عن صفة اللّه سبحانه،يغشى الجوانح والحنايا بظلال ما أحسب أن لغة البشر تملك لها وصفا،فلندعها تلقي ظلالها في شفافية ولين وترسم المشهد الذي يغلف فيه ما يهول ويروع من صفة اللّه،بما يطمئن ويروّح،ويشف شفافية النور: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ،وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ،وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» ..
إن الذين كانوا يطلبون في سذاجة أن يروا اللّه،كالذين يطلبون في سماجة دليلا ماديا على اللّه! هؤلاء وهؤلاء لا يدركون ماذا يقولون! إن أبصار البشر وحواسهم وإدراكهم الذهني كذلك .. كلها إنما خلقت لهم ليزاولوا بها التعامل مع هذا الكون،والقيام بالخلافة في الأرض .. وإدراك آثار الوجود الإلهي في صفحات هذا الوجود المخلوق ..
فأما ذات اللّه - سبحانه - فهم لم يوهبوا القدرة على إدراكها. لأنه لا طاقة للحادث الفاني أن يرى الأزلي الأبدي. فضلا على أن هذه الرؤية لا تلزم لهم في خلافة الأرض. وهي الوظيفة التي هم معانون عليها وموهوبون ما يلزم لها ..
وقد يفهم الإنسان سذاجة الأوّلين. ولكنه لا يملك أن يفهم سماجة الآخرين! إن هؤلاء يتحدثون عن «الذرة» وعن «الكهرب» وعن «البروتون» وعن «النيوترون» .. وواحد منهم لم ير ذرة ولا كهربا ولا بروتونا ولا نيوترونا في حياته قط. فلم يوجد بعد الجهاز المكبر الذي يضبط هذه الكائنات .. ولكنها مسلمة من هؤلاء،كفرض،ومصداق هذا الفرض أن يقدروا آثارا معينة تقع لوجود هذه الكائنات. فإذا وقعت هذه الآثار (جزموا) بوجود الكائنات التي أحدثتها! بينما قصارى ما تصل إليه