فهرس الكتاب

الصفحة 1599 من 4997

فأما الذين لا يريدون الهدى،ولا يرغبون في العلم،ولا يجاهدون ليبلغوا الحقيقة .. فهؤلاء سيحاولون أن يجدوا تعليلا لهذا المستوي الذي يخاطبهم به محمد - وهو منهم - وسيختلقون ما يعلمون أنه لم يقع. فما كان شيء من حياة محمد خافيا عليهم قبل الرسالة ولا بعدها .. ولكنهم يقولون:درست هذا يا محمد مع أهل الكتاب وتعلمته منهم! وما كان أحد من أهل الكتاب يعلم شيئا على هذا المستوي .. وهذه كتب أهل الكتاب التي كانت بين أيديهم يومذاك ما تزال بين أيدينا. والمسافة شاسعة بين هذا الذي في أيديهم وهذا القرآن الكريم .. إن ما بين أيديهم إن هو إلا روايات لا ضابط لها عن تاريخ الأنبياء والملوك مشوبة بأساطير وخرافات من صنع أشخاص مجهولين - هذا فيما يختص بالعهد القديم - فأما العهد الجديد - وهو الأناجيل - فما يزيد كذلك على أن يكون روايات رواها تلاميذ المسيح - عليه السّلام - بعد عشرات السنين وتداولتها المجامع بالتحريف والتبديل والتعديل على ممر السنين. وحتى المواعظ الخلقية والتوجيهات الروحية لم تسلم من التحريف والإضافة والنسيان .. وهذا هو الذي كان بين أيدي أهل الكتاب حينذاك،وما يزال .. فأين هذا كله من القرآن الكريم؟! ولكن المشركين - في جاهليتهم - كانوا يقولون هذا وأعجب العجب أن جاهليين في هذا العصر من «المستشرقين» و «المتمسلمين» ! يقولون هذا القول فيسمى الآن «علما» و «بحثا» و «تحقيقا» لا يبلغه إلا المستشرقون!

فأما الذين «يعلمون» حقا،فإن تصريف الآيات على هذا النحو يؤدي إلى بيان الحق لهم فيعرفونه: «وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» ..

ثم تقع المفاصلة بين قوم مبصرين يعلمون،وقوم عمي لا يعلمون! ويصدر الأمر العلوي للنبي الكريم،وقد صرف اللّه الآيات،فافترق الناس في مواجهتها فريقين .. يصدر الأمر العلوي للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع ما أوحي إليه،وأن يعرض عن المشركين،فلا يحفلهم ولا يحفل ما يقولون من قول متهافت،ولا يشغل باله بتكذيبهم وعنادهم ولجاجهم. فإنما سبيله أن يتبع ما أوحي إليه من ربه فيصوغ حياته كلها على أساسه ويصوغ نفوس أتباعه كذلك. ولا عليه من المشركين فإنما هو يتبع وحي اللّه،الذي لا إله إلا هو،فماذا عليه من العبيد؟! «اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ،وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» .. ولو شاء اللّه أن يلزمهم الهدى لألزمهم،ولو شاء أن يخلقهم ابتداء لا يعرفون إلا الهدى كالملائكة لخلقهم.ولكنه سبحانه خلق الإنسان بهذا الاستعداد للهدى وللضلال،وتركه يختار طريقه ويلقى جزاء الاختيار - في حدود المشيئة المطلقة التي لا يقع في الكون إلا ما تجري به،ولكنها لا ترغم إنسانا على الهدى أو الضلال - وخلقه على هذا النحو لحكمة يعلمها وليؤدي دوره في هذا الوجود كما قدره اللّه له. باستعداداته هذه وتصرفاته: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا» ..

وليس الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسؤولا عن عملهم،وهو لم يوكل بقلوبهم فالوكيل عليها هو اللّه: «وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا،وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت