والنموذج الكامل للإنسان الذاكر الشاكر هو أبو الأنبياء.إبراهيم.الذي يظلل سمته هذه السورة،كما تظللها النعمة وما يتعلق بها من شكران أو كفران ..ومن ثم يأتي به السياق في مشهد خاشع،يظلله الشكر،وتشيع فيه الضراعة،ويتجاوب فيه الدعاء،في نغمة رخية متموجة،ذاهبة في السماء.
« وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ:رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا،وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ.رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ،فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ،رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ،فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ،وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ،وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ.الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ،إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ.رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي،رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ.رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ» ..
إن السياق يصور إبراهيم - عليه السلام - إلى جوار بيت اللّه الذي بناه في البلد الذي آل إلى قريش،فإذا بها تكفر فيه باللّه،مرتكنة إلى البيت الذي بناه بانيه لعبادة اللّه! فيصوره في هذا المشهد الضارع الخاشع الذاكر الشاكر،ليرد الجاحدين إلى الاعتراف،ويرد الكافرين إلى الشكر،ويرد الغافلين إلى الذكر،ويرد الشاردين من أبنائه إلى سيرة أبيهم لعلهم يقتدون بها ويهتدون.
ويبدأ إبراهيم دعاءه: «رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا» ..فنعمة الأمن نعمة ماسة بالإنسان،عظيمة الوقع في حسه،متعلقة بحرصه على نفسه.والسياق يذكرها هنا ليذكر بها سكان ذلك البلد،الذين يستطيلون بالنعمة ولا يشكرونها وقد استجاب اللّه دعاء أبيهم إبراهيم فجعل البلد آمنا،ولكنهم هم سلكوا غير طريق إبراهيم،فكفروا النعمة،وجعلوا للّه أندادا،وصدوا عن سبيل اللّه.ولقد كانت دعوة أبيهم التالية لدعوة الأمن: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» ..
ويبدو في دعوة إبراهيم الثانية تسليم إبراهيم المطلق إلى ربه،والتجاؤه إليه في أخص مشاعر قلبه.فهو يدعوه أن يجنبه عبادة الأصنام هو وبنيه،يستعينه بهذا الدعاء ويستهديه.ثم ليبرز أن هذه نعمة أخرى من نعم اللّه.وإنها لنعمة أن يخرج القلب من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان باللّه وتوحيده.فيخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود،إلى المعرفة والطمأنينة والاستقرار والهدوء.ويخرج من الدينونة المذلة لشتى الأرباب،إلى الدينونة الكريمة العزيزة لرب العباد ..إنها لنعمة يدعو إبراهيم ربه ليحفظها عليه،فيجنبه هو وبنيه أن يعبد الأصنام.يدعو إبراهيم دعوته هذه لما شهده وعلمه من كثرة من ضلوا بهذه الأصنام من الناس في جيله وفي الأجيال التي قبله ومن فتنوا بها ومن افتتنوا وهم خلق كثير: «رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ» ..ثم يتابع الدعاء ..فأما من تبع طريقي فلم يفتتن بها فهو مني،ينتسب إلي ويلتقي معي في الآصرة الكبرى،آصرة العقيدة: «فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي» ..
وأما من عصاني منهم فأفوض أمره إليك: «وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..