وفي هذا تبدو سمة إبراهيم العطوف الرحيم الأواه الحليم فهو لا يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله ويحيد عن طريقه،ولا يستعجل لهم العذاب بل لا يذكر العذاب،إنما يكلهم إلى غفران اللّه ورحمته.ويلقي على الجو ظلال المغفرة والرحمة وتحت هذا الظل يتوارى ظل المعصية فلا يكشف عنه إبراهيم الرحيم الحليم! ويمضي إبراهيم في دعائه يذكر إسكانه لبعض أبنائه بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور للبيت المحرم،ويذكر الوظيفة التي أسكنهم في هذا القفر الجدب ليقوموا بها: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ» ..لما ذا؟
«رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ» ..فهذا هو الذي من أجله أسكنهم هناك،وهذا هو الذي من أجله يحتملون الجدب والحرمان. «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» ..وفي التعبير رقة ورفرفة،تصور القلوب رفافة مجنحة،وهي تهوي إلى ذلك البيت وأهله في ذلك الوادي الجديب.إنه تعبير نديّ يندّي الجدب برقة القلوب .. «وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ» ..عن طريق تلك القلوب التي ترف عليهم من كل فج ..لماذا؟ أليأكلوا ويطعموا ويستمتعوا؟ نعم! ولكن لينشأ عن ذلك ما يرجوه إبراهيم الشكور: «لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» ..وهكذا يبرز السياق هدف السكنى بجوار البيت الحرام ..إنه إقامة الصلاة على أصولها كاملة للّه.ويبرز هدف الدعاء برفرفة القلوب وهويّها إلى أهل البيت ورزقهم من ثمرات الأرض ..إنه شكر اللّه المنعم الوهاب.
وفي ظل هذا الدعاء تبدو المفارقة واضحة في موقف قريش جيرة البيت المحرم ..فلا صلاة قائمة للّه،ولا شكر بعد استجابة الدعاء،وهويّ القلوب والثمرات! ويعقب إبراهيم على دعاء اللّه لذريته الساكنة بجوار بيته المحرم لتقيم الصلاة وتشكر اللّه ..يعقب على الدعاء بتسجيله لعلم اللّه الذي يطلع على ما في قلوبهم من توجه وشكر ودعاء.فليس القصد هو المظاهرات والأدعية والتصدية والمكاء.إنما هو توجه القلب إلى اللّه الذي يعلم السر والجهر ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء:
«رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ:وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ» ..
ويذكر إبراهيم نعمة اللّه عليه من قبل فيلهج لسانه بالحمد والشكر شأن العبد الصالح يذكر فيشكر:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ،إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ» ..
وهبة الذرية على الكبر أوقع في النفس.فالذرية امتداد.وما أجل الإنعام به عند شعور الفرد بقرب النهاية،وحاجته النفسية الفطرية إلى الامتداد.وإن إبراهيم ليحمد اللّه،ويطمع في رحمته: «إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ» .ويعقب على الشكر بدعاء اللّه أن يجعله مديما للشكر.الشكر بالعبادة والطاعة فيعلن بهذا تصميمه على العبادة وخوفه أن يعوقه عنها عائق،أو يصرفه عنها صارف،ويستعين اللّه على إنفاذ عزيمته وقبول دعائه: «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ.وَمِنْ ذُرِّيَّتِي.رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ» ..
وفي ظل هذا الدعاء تبدو المفارقة مرة أخرى في موقف جيرة البيت من قريش.وهذا إبراهيم يجعل عون اللّه له على إقامة الصلاة رجاء يرجوه،ويدعو اللّه ليوفقه إليه.وهم ينأون عنها ويعرضون،ويكذبون