فهرس الكتاب

الصفحة 2734 من 4997

لَكُمُ الْأَنْهارَ.وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ،وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ.وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ،وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها،إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» ..

إنها حملة.إنها سياط تلذع الوجدان ...حملة أدواتها الهائلة السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والبحار والأنهار والأمطار والثمار ..وسياط ذات إيقاع،وذات رنين،وذات لذع لهذا الإنسان الظلوم الكفار! إن من معجزات هذا الكتاب أنه يربط كل مشاهد الكون وكل خلجات النفس إلى عقيدة التوحيد.ويحول كل ومضة في صفحة الكون أو في ضمير الإنسان إلى دليل أو إيحاء ..وهكذا يستحيل الكون بكل ما فيه وبكل من فيه معرضا لآيات اللّه،تبدع فيه يد القدرة،وتتجلى آثارها في كل مشهد فيه ومنظر،وفي كل صورة فيه وظل ..إنه لا يعرض قضية الألوهية والعبودية في جدل ذهني ولا في لاهوت تجريدي ولا في فلسفة «ميتافيزيقية» ذلك العرض الميت الجاف الذي لا يمس القلب البشري ولا يؤثر فيه ولا يوحي إليه ..

إنما هو يعرض هذه القضية في مجال المؤثرات والموحيات الواقعية من مشاهد الكون،ومجالي الخلق،ولمسات الفطرة،وبديهيات الإدراك.في جمال وروعة واتساق.

والمشهد الهائل الحافل المعروض هنا لأيادي اللّه وآلائه،تسير فيه خطوط الريشة المبدعة وفق اتجاه الآلاء بالقياس إلى الإنسان:خط السماوات والأرض.يتبعه خط الماء النازل من السماء والثمرات النابتة من الأرض بهذا الماء.فخط البحر تجري فيه الفلك والأنهار تجري بالأرزاق ..ثم تعود الريشة إلى لوحة السماء بخط جديد.خط الشمس والقمر.فخط آخر في لوحة الأرض متصل بالشمس والقمر:خط الليل والنهار ..ثم الخط الشامل الأخير الذي يلون الصفحة كلها ويظللها: «وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» ..إنه الإعجاز الذي تتناسق فيه كل لمسة وكل خط وكل لون وكل ظل.في مشهد الكون ومعرض الآلاء.

أفكل هذا مسخر للإنسان؟ أفكل هذا الكون الهائل مسخر لذلك المخلوق الصغير؟ السماوات ينزل منها الماء،والأرض تتلقاه،والثمرات تخرج من بينهما.والبحر تجري فيه الفلك بأمر اللّه مسخرة.والأنهار تجري بالحياة والأرزاق في مصلحة الإنسان.والشمس والقمر مسخران دائبان لا يفتران.والليل والنهار يتعاقبان ..أفكل أولئك للإنسان؟ ثم لا يشكر ولا يذكر؟

«إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» ! «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» ..وبعد ذلك يجعلون للّه أندادا،فكيف يكون الظلم في التقدير،والظلم في عبادة خلق من خلقه في السماوات أو في الأرض؟

«وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ» ..والزرع مورد الرزق الأول،ومصدر النعمة الظاهر.والمطر والإنبات كلاهما يتبع السنة التي فطر اللّه عليها هذا الكون،ويتبع الناموس الذي يسمح بنزول المطر وإنبات الزرع وخروج الثمر،وموافقة هذا كله للإنسان.وإنبات حبة واحدة يحتاج إلى القوة المهيمنة على هذا الكون كله لتسخر أجرامه وظواهره في إنبات هذه الحبة وإمدادها بعوامل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت