إن مهمة التفكير البشري أن تستنبط من كتاب اللّه منهجه أحكاما تفصيلية تطبيقية لأحداث الحياة المتجددة،وأقضيتها المتطورة - بالطريقة التي رسمها اللّه في الدرس السابق من هذه السورة - ولا شيء وراء ذلك.وإلا فلا إيمان أصلا ولا إسلام.لا إيمان ابتداء ولا إسلام،لأن الذين يفعلون ذلك لم يدخلوا بعد في الإيمان،ولم يعترفوا بعد بأركان الإسلام.وفي أولها:شهادة أن لا إله إلا اللّه،التي ينشأ منها أن لا حاكم إلا اللّه،وأن لا مشرع إلا اللّه.
وها هو ذا كتاب اللّه يرسم للمسلمين جانبا من الخطة التنفيذية للمعركة المناسبة لموقفهم حينذاك.ولو جودهم بين العداوات الكثيرة في الخارج.والمنافقين وحلفائهم اليهود في الداخل.وهو يحذرهم ابتداء: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ» ..خذوا حذركم من عدوكم جميعا.وبخاصة المندسين في الصفوف من المبطئين،الذين سيرد ذكرهم في الآية: «فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا» ..
ثبات.جميع ثبة:أي مجموعة ..والمقصود لا تخرجوا للجهاد فرادى.ولكن اخرجوا مجموعات صغيرة،أو الجيش كله ..حسب طبيعة المعركة ..ذلك أن الآحاد قد يتصيدهم الأعداء،المبثوثون في كل مكان.
وبخاصة إذا كان هؤلاء الأعداء منبثين في قلب المعسكر الإسلامي ..وهم كانوا كذلك،ممثلين في المنافقين،وفي اليهود،في قلب المدينة.
« وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ.فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ:قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا.وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ - كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ - يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا» ..
انفروا جماعات نظامية.أو انفروا جميعا.ولا ينفر بعضكم ويتثاقل بعضكم - كما هو واقع - وخذوا حذركم.لا من العدو الخارجي وحده ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين سواء كانوا يبطئون أنفسهم - أي يقعدون متثاقلين - أو يبطئون غيرهم معهم وهو الذي يقع عادة من المخذّلين المثبطين! ولفظة «ليبطئن» مختارة هنا بكل ما فيها من ثقل وتعثر وإن اللسان ليتعثر في حروفها وجرسها،حتى يأتي على آخرها،وهو يشدها شدا وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويرا كاملا بهذا التعثر والتثاقل في جرسها.وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن،الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة [1] .
وكذلك يشي تركيب الجملة كلها: «وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ» ،بأن هؤلاء المبطئين - وهم معدودون من المسلمين - «منكم» يزاولون عملية التبطئة كاملة،ويصرون عليها إصرارا،ويجتهدون فيها اجتهادا ..وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة،وشدة أثرها في الصف المسلم وشدة ما يلقاه منها! ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم،وعلى دخيلة نفوسهم ويرسم حقيقتهم المنفرة،على طريقة القرآن التصويرية العجيبة:
(1) - يراجع فصل «التناسق الفني» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» ( السيد رحمه الله )