المؤمنين: «سبحان اللّه! - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم،نستحل دماءهم وأموالهم؟» ..وتصورهم للأمر على هذا النحو،من أنه كلام مثل ما يتكلم المسلمون! مع أن شواهد الحال كلها وقول هؤلاء المنافقين: «إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس» ..وشهادة الفئة الأخرى من المؤمنين وقولهم: «يظاهرون عدوكم» ..تصورهم للأمر على هذا النحو فيه تمييع كبير لحقيقة الإيمان،في ظروف تستدعي الوضوح الكامل،والحسم القاطع.فإن كلمة تقال باللسان مع عمل واقعي في مساعدة عدو المسلمين الظاهرين،لا تكون إلا نفاقا.ولا موضع هنا للتسامح أو للإغضاء.لأنه تمييع للتصور ذاته ..
وهذا هو الخطر الذي يواجهه النص القرآني بالعجب والاستنكار والتشديد البين.
ولم يكن الحال كذلك في الإغضاء عن منافقي المدينة.فقد كان التصور واضحا ..هؤلاء منافقون ..ولكن هناك خطة مقررة للتعامل معهم.هي أخذهم بظاهرهم والإغضاء إلى حين.
وهذا أمر آخر غير أن ينافح جماعة من المسلمين عن المنافقين.لأنهم قالوا كلاما كالذي يقوله المسلمون.
وأدّوا بألسنتهم شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه.بينما هم يظاهرون أعداء المسلمين! من أجل هذا التميع في فهم فئة من المسلمين،ومن أجل ذلك الاختلاف في شأن المنافقين في الصف المسلم،
كان هذا الاستنكار الشديد في مطلع الآية ..ثم تبعه الإيضاح الإلهي لحقيقة موقف هؤلاء المنافقين:
«وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا» ..ما لكم فئتين في شأن المنافقين.واللّه أوقعهم فيما هم فيه بسبب سوء نيتهم وسوء عملهم؟ وهي شهادة من اللّه حاسمة في أمرهم.بأنهم واقعون في السوء بما أضمروا وبما عملوا من سوء.
ثم استنكار آخر: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ؟» ..ولعله كان في قول الفريق ..المتسامح!! ..ما يشير إلى إعطائهم فرصة ليهتدوا،ويتركوا اللجلجة! فاستنكر اللّه هذا في شأن قوم استحقوا أن يوقعهم اللّه في شر أعمالهم وسوء مكاسبهم.
«وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» ..فإنما يضل اللّه الضالين.أي يمد لهم في الضلالة حين يتجهون هم بجهدهم ونيتهم إلى الضلالة.وعندئذ تغلق في وجوههم سبل الهداية بما بعدوا عنها،وسلكوا غير طريقها ونبذوا العون والهدى،وتنكروا لمعالم الطريق! ثم يخطو السياق خطوة أخرى في كشف موقف المنافقين ..إنهم لم يضلوا أنفسهم فحسب ولم يستحقوا أن يوقعهم اللّه في الضلالة بسعيهم ونيتهم فحسب ..إنما هم كذلك يبتغون إضلال المؤمنين: «وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً» ..
إنهم قد كفروا ..على الرغم من أنهم تكلموا بما تكلم به المسلمون،ونطقوا بالشهادتين نطقا يكذبه العمل في مظاهرة أعداء المسلمين ..وهم لا يريدون أن يقفوا عند هذا الحد.فالذي يكفر لا يستريح