عندئذ تجيء الطائفة الأولى فتقضي الركعة الثانية التي فاتتها مع الإمام.وتسلم - بينما تحرسها الطائفة الثانية - ثم تجيء الثانية فتقضي الركعة الأولى التي فاتتها وتسلم - بينما تحرسها الطائفة الأولى ..
وبذلك تكون الطائفتان قد صلتا بإمامة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكذلك مع خلفائه وأمرائه،وأمراء المسلمين (منهم) في كل معركة.
«وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ.وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ،فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً» ..وهي رغبة في نفوس الكفار تجاه المؤمنين دائمة.والسنون تتوالى،والقرون تمر،فتؤكد هذه الحقيقة،التي وضعها اللّه في قلوب المجموعة المؤمنة الأولى.وهو يضع لها الخطط العامة للمعركة.كما يضع لها الخطة الحركية أحيانا.على هذا النحو الذي رأينا في صلاة الخوف.
على أن هذا الحذر،وهذه التعبئة النفسية،وهذا الاستعداد بالسلاح المستمر،ليس من شأنه أن يوقع المسلمين في المشقة.فهم يأخذون منه بقدر الطاقة: « وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ،أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى،أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ» فحمل السلاح في هذه الحالة يشق،ولا يفيد.ويكفي أخذ الحذر وتوقع عون اللّه ونصره: «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ.إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا» ..
ولعل هذا الاحتياط،وهذه اليقظة،وهذا الحذر يكون أداة ووسيلة لتحقيق العذاب المهين الذي أعده اللّه للكافرين.فيكون المؤمنون هم ستار قدرته وأداة مشيئته ..وهي الطمأنينة مع ذلك الحذر والثقة في النصر على قوم أعد اللّه لهم عذابا مهينا .. «فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ.فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ.إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا» ..
وهكذا يوجههم إلى الاتصال باللّه في كل حال،وفي كل وضع،إلى جانب الصلاة ..فهذه هي العدة الكبرى،وهذا هو السلاح الذي لا يبلى ..
فأما حين الاطمئنان «فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ» ..أقيموها كاملة تامة بلا قصر - قصر الخوف الذي تحدثنا عنه - فهي فريضة ذات وقت محدد لأدائها.ومتى زالت أسباب الرخصة في صفة من صفاتها عادت إلى صفتها المفروضة الدائمة.
ومن قوله تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا» ..يأخذ الظاهرية رأيهم في عدم قضاء الفائتة من الصلاة لأنها لا تجزي ولا تصح.لأن الصلاة لا تصح إلا في ميقاتها المعين.فمتى فات الميقات،فلا سبيل لإقامة الصلاة ..والجمهور على صحة قضاء الفوائت.وعلى تحسين التبكير في الأداء،والكراهية في التأخير ..ولا ندخل بعد هذا في تفصيلات الفروع ..
الدرس السادس:104 التشجيع على المضي في الجهاد
ويختم هذا الدرس بالتشجيع على المضي في الجهاد مع الألم والضنى والكلال ..ويلمس القلوب المؤمنة لمسة عميقة موحية،تمس أعماق هذه القلوب،وتلقي الضوء القوي على المصائر والغايات