تراود نفوسهم كذلك فكرة أنهم خير أمة أخرجت للناس.وأن اللّه متجاوز عما يقع منهم ..بما أنهم المسلمون ..
فجاء هذا النص يرد هؤلاء وهؤلاء إلى العمل،والعمل وحده.ويرد الناس كلهم إلى ميزان واحد.هو إسلام الوجه للّه - مع الإحسان - واتباع ملة إبراهيم وهي الإسلام.إبراهيم الذي اتخذه اللّه خليلا ..
فأحسن الدين هو هذا الإسلام - ملة إبراهيم - وأحسن العمل هو «الإحسان» ..والإحسان أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ،فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ [1] وقد كتب الإحسان في كل شيء حتى في إراحة الذبيحة عند ذبحها،وحد الشفرة،حتى لا تعذب وهي تذبح! [2]
وفي النص تلك التسوية بين شقي النفس الواحدة،في موقفهما من العمل والجزاء كما أن فيه شرط الإيمان لقبول العمل،وهو الإيمان باللّه: «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى - وَهُوَ مُؤْمِنٌ - فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا» ..
وهو نص صريح على وحدة القاعدة في معاملة شقي النفس الواحدة - من ذكر أو أنثى.كما هو نص صريح في اشتراط الإيمان لقبول العمل.وأنه لا قيمة عند اللّه لعمل لا يصدر عن الإيمان.ولا يصاحبه الإيمان.وذلك طبيعي ومنطقي لأن الإيمان باللّه هو الذي يجعل العمل الصالح يصدر عن تصور معين وقصد معلوم كما يجعله حركة طبيعية مطردة،لا استجابة لهوى شخصي،ولا فلتة عابرة لا تقوم على قاعدة ..
وهذه الألفاظ الصريحة تخالف ما ذهب إليه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه اللّه في تفسير جزء «عم» عند قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ» ..إذ رأى النص لعمومه هذا يشمل المسلم وغير المسلم.
بينما النصوص الصريحة الأخرى تنفي هذا تماما.وكذلك ما رآه الأستاذ الشيخ المراغي - رحمه اللّه.وقد أشرنا إلى هذه القصة في جزء عم (الجزء الثلاثين من الظلال) .
ولقد شق على المسلمين قول اللّه لهم: «مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا» ..فقد كانوا يعرفون طبيعة النفس البشرية ويعرفون أنها لا بد أن تعمل سوءا.مهما صلحت،ومهما عملت من حسنات.
كانوا يعرفون النفس البشرية - كما هي في حقيقتها - وكانوا من ثم يعرفون أنفسهم ..لم يخدعوا أنفسهم عن حقيقتها ولم يخفوا عن أنفسهم سيئاتها ولم يتجاهلوا ما يعتور نفوسهم من ضعف
(1) - أخرجه الجماعة المسند الجامع [13 /964] (10441)
(2) - عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ،أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ،فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ،وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ،وَلْيُحِدَّنَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ،وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ.مسند أحمد (عالم الكتب) [5 /836] (( 17128) 17258) صحيح