فهرس الكتاب

الصفحة 1130 من 4997

ولكن المهم هنا:هو أن المنهج المتنزل من السماء،والتصور الذي أنشأه هذا المنهج كذلك،هو الذي كان يكافح «الواقع المادي» ويعدله ويبدله ..ولم يكن قط أن الواقع المادي أو «النقيض» [1] الكامن فيه أو تبدل وسائل الإنتاج ..أو شيء من هذا «الهوس الماركسي» ! هو الذي اقتضى تغيير التصورات ومناهج الحياة،وأوضاعها،لتلائم هذا التبدل الذي تفرضه وسائل الإنتاج! كان هناك فقط شيء جديد واحد في حياة هذا الشعب ..شيء هبط عليه من الملأ الأعلى ..فاستجابت له نفوس،لأنه يخاطب فيها رصيد الفطرة،الذي أودعه اللّه فيها ..ومن ثم وقع هذا التغيير.بل تم هذا الميلاد الجديد للإنسان.الميلاد الذي تغيرت فيه ملامح الحياة كلها ..في كل جانب من جوانبها ..عن الملامح المعهودة في الجاهلية!!! ومهما يكن هناك من صراع قد وقع بين الملامح الجديدة والملامح القديمة.ومهما يكن هناك من آلام للمخاض وتضحيات ..فقدتم هذا كله.لأن هناك رسالة علوية وتصورا اعتقاديا هو الذي كان له الأثر الأول والأثر الأخير في هذا الميلاد الجديد.الذي لم تقتصر موجته على المجتمع الإسلامي ولكن تعدته كذلك إلى المجتمع الإنساني كله [2] .

ومن ثم ينتهي هذا النص القرآني الذي يفتي فيه اللّه المؤمنين،فيما يستفتون فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمر النساء،ويقص عليهم حقوق اليتيمات،وحقوق الولدان الضعاف ..ينتهي بربط هذه الحقوق وهذه التوجيهات كلها،بالمصدر الذي جاء من عنده هذا المنهج: «وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا» ..فهو غير مجهول،وهو غير ضائع ..وهو مسجل عند اللّه.ولن يضيع خير سجل عند اللّه.

وهذا هو المرجع الأخير الذي يعود إليه المؤمن بعمله،والجهة الوحيدة التي يتعامل معها في نيته وجهده.

وقوة هذا المرجع،وسلطانه،هي التي تجعل لهذه التوجيهات ولهذا المنهج قوته وسلطانه في النفوس،وفي الأوضاع وفي الحياة.

إنه ليس المهم أن تقال توجيهات وأن تبتدع مناهج وأن تقام أنظمة ..إنما المهم هو السلطان الذي ترتكن إليه تلك التوجيهات والمناهج والأنظمة.السلطان الذي تستمد منه قوتها ونفاذها وفاعليتها في نفوس البشر ..

وشتان بين توجيهات ومناهج ونظم يتلقاها البشر من اللّه ذي الجلال والسلطان،وتوجيهات ومناهج ونظم يتلقونها من العبيد أمثالهم من البشر! ذلك على فرض تساوي هذه وتلك في كل صفة أخرى وفي كل سمة وبلوغهما معا أوجا واحدا - وهو فرض ظاهر الاستحالة.ألا إنه ليكفي أن أشعر ممن صدرت هذه الكلمة،لأعطيها في نفسي ما تستحقه من مكان ..ولتفعل في نفسي ما تفعله كلمة اللّه العلي الأعلى.أو كلمة الإنسان ابن الإنسان!

(1) - تعبير المادية الجدلية،الذي تفسر به التغيرات التاريخية! ( السيد رحمه الله )

(2) - يراجع كتاب: «هذا الدين» .كذلك يراجع «في ظلال القرآن» تفسير سورة «عبس» الجزء الثلاثون. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت