وفي مقابل إنكار اليهود يقرر شهادة اللّه - سبحانه - وشهادة الملائكة.وكفى باللّه شهيدا.ويتوعد الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه ..الذين كفروا وظلموا ..يتوعدهم ألا يغفر اللّه لهم وألا يهديهم سبيلا إلا سبيل جهنم خالدين فيها أبدا ..ويعقب على هذا بنداء للناس كافة،وإعلانهم أن هذا الرسول قد جاءهم بالحق من ربهم،ودعوتهم إلى الإيمان،وإلا فإن للّه ما في السماوات والأرض.وقد شهد بصحة هذه الرسالة ودعاهم إلى الإيمان بها،فهم إذن وما يختارون لأنفسهم بإزاء دعوة ممن له ما في السماوات والأرض.
وهكذا تنتهي هذه الجولة مع اليهود من أهل الكتاب.وقد كشفت عن طبيعتهم ووسائلهم وعادة السوء فيهم من قديم،وردت كيدهم بهذا الكشف،وقررت كلمة الحق في رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأقامت الحجة على الناس بشهادة اللّه سبحانه ..فوق ما قررته من جسامة تبعة الرسل،وأصحاب دعوة الحق،فهي إقامة الحجة على الناس من جانب،ومن الجانب الآخر أن أمر الناس كلهم معلق بأعناق الرسل والمؤمنين برسالتهم،لينجو الناس من عقاب اللّه أو يستحقوه عن بينة ..وهي تبعة خطيرة جسيمة.
فإذا انتهت هذه الجولة مع اليهود وأنصف اللّه عيسى بن مريم وأمه منهم وكذب دعاوى السوء اليهودية عن عيسى وعن مريم ..بدأت الجولة الثانية مع النصارى - أتباع عيسى عليه السلام - لتصحيح غلوهم في أمر المسيح - عبد اللّه ونبيه - وكفهم عن هذا الغلو،وتقرير الحق في شأنه:فهو عبد اللّه لا يستنكف أن يكون عبدا للّه.وكذلك الملائكة - تصحيحا لمزاعمهم عن روح القدس - ونفي التثليث ونفي الأبوة عن اللّه سبحانه وتعالى ..
وفي ثنايا هذا التصحيح يتقرر التصور الإسلامي الصحيح،ويتمحض الأمر كله في أن يكون:ألوهية وعبودية ..ألوهية اللّه وحده وعبودية كل من عداه ..وهي القاعدة الكبرى في العقيدة الإسلامية،والسمة البارزة،والمقوم الأساسي ..
ومن ثم يجيء التبشير للمؤمنين،والإنذار للكافرين المستنكفين عن العبودية للّه ويجيء إعلان عام للناس كالذي ختمت به الجولة الأولى مع اليهود،بأنه قد جاء للناس برهان من ربهم ونور مبين،فلا حجة ولا شبهة ولا معذرة للمتخلفين.
وتختم السورة بآية تحتوي بقية في أحكام المواريث في حالة الكلالة.وقد سبق في السورة حكم بعض الحالات.وهذه بقيتها ..وهي بقية من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي الجديد الذي جاء الإسلام ليقيم على أساسه حياة الجماعة المسلمة ويحولها - كما قلنا في أول السورة - إلى أمة،لها طابع الأمة المتميزة ونظامها وخصائصها المستقلة.لتؤدي دورها الضخم في الحياة البشرية وفي المجتمع الإنساني.دور القيادة والوصاية والتقويم.