كتابها ..القرآن ..شاردة عن هديه،ملقية به وراءها ظهريا! متبعة قول فلان وفلان!! وستبقى كذلك غارقة في كيد يهود وقهر يهود،حتى تثوب إلى القرآن ..
ولا يترك السياق الموقف مع اليهود،حتى ينصف القليل المؤمن منهم ويقرر حسن جزائهم،وهو يضمهم إلى موكب الإيمان العريق،ويشهد لهم بالعلم والإيمان،ويقرر أن الذي هداهم إلى التصديق بالدين كله:ما أنزل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل من قبله،هو الرسوخ في العلم وهو الإيمان: «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ،وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ،وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ،وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ،أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا» ..
فالعلم الراسخ،والإيمان المنير،كلاهما يقود أهله إلى الإيمان بالدين كله.كلاهما يقود إلى توحيد الدين الذي جاء من عند اللّه الواحد.
وذكر العلم الراسخ بوصفه طريقا إلى المعرفة الصحيحة كالإيمان الذي يفتح القلب للنور،لفتة من اللفتات القرآنية التي تصور واقع الحال التي كانت يومذاك كما تصور واقع النفس البشرية في كل حين.فالعلم السطحي كالكفر الجاحد،هما اللذان يحولان بين القلب وبين المعرفة الصحيحة ..ونحن نشهد هذا في كل زمان.فالذين يتعمقون في العلم،ويأخذون منه بنصيب حقيقي،يجدون أنفسهم أمام دلائل الإيمان الكونية أو على الأقل أمام علامات استفهام كونية كثيرة،لا يجيب عليها إلا الاعتقاد بأن لهذا الكون إلها واحدا مسيطرا مدبرا متصرفا،وذا إرادة واحدة،وضعت ذلك الناموس الواحد ..وكذلك الذين تتشوق قلوبهم للهدى - المؤمنون - يفتح اللّه عليهم،وتتصل أرواحهم بالهدى ..أما الذين يتناوشون المعلومات ويحسبون أنفسهم علماء،فهم الذين تحول قشور العلم بينهم وبين إدراك دلائل الإيمان،أو لا تبرز لهم - بسبب علمهم الناقص السطحي - علامات الاستفهام.وشأنهم شأن من لا تهفو قلوبهم للهدى ولا تشتاق ..وكلاهما هو الذي لا يجد في نفسه حاجة للبحث عن طمأنينة الإيمان،أو يجعل التدين عصبية جاهلية فيفرق بين الأديان الصحيحة التي جاءت من عند ديان واحد،على أيدي موكب واحد متصل من الرسل،صلوات اللّه عليهم أجمعين.
وقد ورد في التفسير المأثور أن هذه الإشارة القرآنية تعني - أول من تعني - أولئك النفر من اليهود،الذين استجابوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وذكرنا أسماءهم من قبل،ولكن النص عام ينطبق على كل من يهتدي منهم لهذا الدين،يقوده العلم الراسخ أو الإيمان البصير .. [1]
ويضم السياق القرآني هؤلاء وهؤلاء إلى موكب المؤمنين،الذين تعينهم صفاتهم: «وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ،وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ،وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» .وهي صفات المسلمين التي تميزهم:إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة،والإيمان باللّه واليوم الآخر ..وجزاء الجميع ما يقرره اللّه لهم.
(1) - ونستطيع أن نذكر منهم - ولا نزكي على اللّه أحدا - في الزمن الحديث «محمد أسد» النمساوي،وكان اسمه ليوبولد فايس.وقد اهتدى وأسلم،وسمى نفسه محمد أسد.وهو صاحب كتاب:الإسلام على مفترق الطرق. ( السيد رحمه الله )