فهرس الكتاب

الصفحة 1202 من 4997

وهذه الحملة الكاشفة على أعداء الجماعة المسلمة والتركيز فيها على اليهود والمشركين بصفة خاصة مع إشارات إلى المنافقين والنصارى أحيانا،تؤدي بنا إلى شأن آخر مما تعالجه هذه السورة:

إنها تعالج موقفا حاضرا في حياة الجماعة المسلمة في المدينة يومذاك ..كما تعالج موقف الأمة المسلمة،في تاريخها كله تجاه المعسكرات المعادية لها ..وإنها لهي هي ..على مدار الزمان! ففي أية فترة تاريخية من حياة الجماعة المسلمة في المدينة تنزلت هذه السورة؟

في روايات كثيرة أن هذه السورة نزلت بعد سورة الفتح ..وسورة الفتح معروف أنها نزلت في الحديبية في العام السادس من الهجرة ..وفي بعض هذه الروايات أنها نزلت مرة واحدة فيما عدا الآية الثالثة،التي فيها: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...» فإنها نزلت في حجة الوداع في السنة العاشرة ..

ولكن المراجعة الموضوعية للسورة مع أحداث السيرة تكاد تنفي هذه الرواية التي تقول:إن السورة نزلت بكاملها بعد «الفتح» فضلا على أن هناك حادثة من حوادث السيرة في غزوة بدر،تقطع بأن الآيات الخاصة بموقف بني إسرائيل مع موسى - عليه السلام - من دخول الأرض المقدسة،كانت معروفة للمسلمين قبل غزوة بدر في السنة الثانية الهجرية.عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو اللَّيْثِيِّ،عَنْ أَبِيهِ،عَنْ جَدِّهِ،قَالَ:خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى بَدْرٍ،حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ خَطَبَ النَّاسَ،فَقَالَ:كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ:يَا رَسُولَ اللهِ،بَلَغَنَا أَنَّهُمْ بِكَذَا وَكَذَا،قَالَ:ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ،فَقَالَ:كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ،ثُمَّ خَطَبَ،فَقَالَ:مَا تَرَوْنَ ؟ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ:إيَّانَا تُرِيدُ،فَوَالَّذِي أَكْرَمَكَ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مَا سَلَكْتُهَا قَطُّ،وَلاَ لِي بِهَا عِلْمٌ،وَلَئِنْ سِرْتَ حَتَّى تَأْتِيَ بَرْكَ الْغِمَادِ مِنْ ذِي يَمَنٍ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ،وَلاَ نَكُونُ كَاَلَّذِينَ قَالُوا لِمُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ:اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلاَ،إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ،وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا مَعَكُمَا مُتَّبِعُونَ،وَلَعَلَّكَ أَنْ تَكُونَ خَرَجْتَ لأَمْرٍ،وَأَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْك غَيْرَهُ،فَانْظُرَ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَامْضِ لَهُ،فَصِلْ حِبَالَ مَنْ شِئْتَ،وَاقْطَعْ حِبَالَ مَنْ شِئْتَ،وَسَالِمْ مَنْ شِئْتَ،وَعَادِ مَنْ شِئْتَ،وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ ،فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى قَوْلِ سَعْدٍ: {كَمَا أَخْرَجَك رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ،وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} وَإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُرِيدُ غَنِيمَةَ مَا مَعَ أَبِي سُفْيَانَ،فَأَحْدَثَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ الْقِتَالَ [1] ...

أما المراجعة الموضوعية فتصور الموقف بأنه كانت لليهود - في ذلك الوقت الذي نزلت فيه الآيات الخاصة بهم - قوة ونفوذ وعمل في المدينة،وفي الصف المسلم مما اقتضى هذه الحملة لكشف موقفهم وإبطال كيدهم.

وهذه القوة وهذا النفوذ كانا قد تضاء لا بعد وقعة بني قريظة،عقب غزوة الخندق،وقد تطهرت الأرض من القبائل الثلاث اليهودية القوية:بني قينقاع،وبني النضير وبني قريظة.فلم يكن لهم بعد

(1) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة [20 /302] (37815) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت